بروف أبشر حسين يكتب : (بخاف) وذكريات الشباب

في النصف الثاني من الستينات، ومع نهاية “الدافوري” وقرب المغرب، كانت حركة الشباب والبنات في الشارع تزيد لو في عرس قريب. مثلاً: لو بنت ناس فلان (Y) عرسها بعد أسبوعين، الشارع بيكون مليان حركة نساء ماشين جايين في استعدادات العرس، كدق الريحة وهي عادة شائعة تقوم فيها النساء بتحضير وصناعة الريحة بطريقة سودانية معروفة مثل الخمرة. لذلك بتلقى الريحة ضاربة المكان، وصوت الغُنا عالي من بيت العروس في تعليم العروس.
ونحن صغار كنا بنحاول نتفرج ونتصنّت، إمّا من خلال فتحات الباب أو بتسلق الحيطان. ومع اقتراب العرس، الحركة في الشارع بتزيد، وتبدأ في البيت عمليات الترميم وضرب البوهية. كمان بيبدأ توافد الأقرباء من الأقاليم. ولو العريس ود عم العروس وساكن قريب، حركة الرجال برضو بتنشط لكتابة كروت دعوة المعازيم وتوزيعها.
في الزمن داك ما كان في عقود زواج تتم في المساجد (العادة دي ظهرت مع الإنقاذ)، ولا كانت الأعراس تُقام في الأندية. العقد دائماً في الخيمة قدام بيت العروس، والخيمة دي بتتضرب من يوم الأربعاء، لأن أغلب الأعراس بتكون يوم الخميس، والصبحية يوم الجمعة.
عادةً، يوم الأربعاء بتكون “حنة العريس” في شكل حفلة وعشاء، وبعدها تقوم خالات العريس وقريباته بتحنية العريس، وهو راقد على عنقريب معمول خصيصاً للمناسبة وسط أصحابه وأهله. بعد داك تبدأ “الخُطّة”، وفيها يدفع الناس مشاركاتهم المادية، ويكون في واحد ماسك دفتر و”ينادي” بالنقطة: “فلان خمسة جنيه”، “علان سبعة جنيه”، وهكذا.
صباح الخميس، ناس العروس بيبعثوا “فطور العريس”، والعريس محاط بأهله وأصحابه، وبكونوا خطّوا ليه طبقة حنة، أسان اللون يظهر. والعصر تبدأ مراسم العقد في الخيمة قدام بيت العروس. ونحن صغار كنا بنفرح بالحلوى، والمنّين، والكعك، وآيسكريم “لولي”.
أما “السيرة” فكانت تبدأ من بيت العريس. رغم قرب المسافة لبيت العروس، كانوا بركبوا البصات ويمروا على مصنع البيبسي ومصنع (…) ومن هنا جات أغنية “دور بينا البلد دا”. وبعدها يصلوا بيت العروس حيث يبدأ العشاء، يليه الاحتفال الغنائي، ثم “ترقيص العروس” و”قطع الرحط” وهي من العادات القديمة جداً.
وفي اليوم الثاني، يوم الجمعة، تكون “الصبحية”. تبدأ بالفطور العامر: العصيدة بالتقلية، النعيمية، ملاح الروب، السمبسكة، الشعيرية، السكسكانية، واللحوم. وبعد الفطور يبدأ الغُنا من الساعة العاشرة صباحاً ويستمر لحد العصر.
ده السرد الظاهر والمعتاد والمقبول، لكن هناك بعض “المسكوت عنه” البخلّي الذكريات ناقصة إلا إذا الزول بقى “شوقي”. فما كل ما حصل في ذلك الزمان يُقال: التحضير للاحتفال، المكواة السيافي، الدخول للحفلة من وراء الخيم، الشلليات الظريفة، والغناء “الما غُنا”.
بعض الأعراس بقت عالقة بالذاكرة، زي زواج دفع الله عازف الطرمبة، وكيف أبو عركي غنّى رائعة الشاعر الفخم عوض أحمد خليفة: “لو كنت ناكر للهوى زيك كنت غفرته ليك”. والمساحة الواسعة للطرمبة في المقدمة، ومحمد حامد لا يستحمل فيصاب بحالة من الطرب رافعاً يديه كأعظم مايسترو، وجلال ود شيخ الحارة بكامل أناقته يصول. وكذلك حفلات زيدان في حي الضباط، والشفيف محمد جعفر، والغناء البيوجع القلب، وأخونا عبد الرحمن مبارك. والذكريات مع ود القرشي، وحفلات خوجلي عثمان (الخلى الغُنا سمح في خشمو)، وشرحبيل باللابس البمبي فلقد كان للحاج شعبية كبيرة في منطقتنا بلونيته الجديدة وغنائه العذب. وأما محمد أحمد عوض ومحمود علي الحاج فديل حاجة تانية: أدبوا الغُنا وهذبوه، وبعدوه عن الوصف الجسدي، وعلّموا العاشقين كيف يكون البوح.
كانت بيوت الأعراس في أمدرمان القديمة، بكل أحيائها، عبارة عن مهرجانات مليانة بكل ألوان الحياة: الكرم لدرجة البذخ، والجمال الحسي والمعنوي، الذي كان مصدر إلهام للشعراء. ومن هناك جاءت مئات القصائد التي زاع صيتها بعد أن تغنّى بها الفنانون.
في شبابنا كانت سيدة الأغاني “بخاف” لسيد الأحاسيس المرهفة الأستاذ حسن السر، و*”واحشني”* لصديقي التجاني.
ونسيت أذكر إن حفلات “الصباحية” دائماً كانت بفناني الحقيبة والغناء الشعبي. وفي منطقتنا كان لترباس تطريب عالي، والكحلاوي وقفشاته أثناء الغناء بصوته الرخيم، وعبد الوهاب الصادق الذي كان يعطي للكورس مساحات واسعة، وبادي محمد الطيب وهو في قمة الطرب يتلبس بحالات الاستحوال ويأتي بأصوات تشبه النواح وهو يغني “ببكي وبنوح وبصيح للشوفتن بتريح”، فيتذكر العواجيز قصص حبهم العذري حيث تظهر المحبوبة فقط مع الحريق وشيل العنقريب في خروج الجنازة. وكذلك خلف الله حمد وأغاني السيرة التي تلهب الحماس وتعطي الحاضرين مساحة واسعة للحراك، وكذلك عبد الكريم وعبد الله محمد ثنائي أبو كدوك والفتيحاب.
وكانت حفلات الصباحية فرصة للخطوبة، حيث تظهر الحسان كحكاية البنت التي “طارت عصافيرها عند بشرى” (وكان أنفها كالخضر الطازج، ولها عين – يا الله! – وعنق فرعوني ذو وترين مشدودين أنيقين لا يبدوان إلا إذا التفتت، وإذا التفتت هربت جميع البائعات بفولهن المدمس وتساليهن المملوح، وهربت الشوارع من حفرها، والروائح النتنة من أماكن بيع اللحوم، وهربت ذاكرتي إلى مستقبل أتمناه). ويكون الرقيص في السباتة والشبال الذي جعل ملهمة أبوصلاح “تصد بي تيها ودلاله”.
لازلت أذكر قريبنا العريس الذي كان “يُبشِّر” وهو اشتر كذكر بعير في أوقات التزاوج، وأظنه كما علمت قد خدعه رفاقه بـ”كاس الشجاعة”. حفلات الصباحية كانت تفضح الجمال، وهي مسابقة مصطنعة لتتويج الحسان، جاعلة منهن وصيفات للفرح القادم.
بروف ابشر حسين






