آراء ومقالات

قرشي عوض يكتب: مرض الابتعاد الطفولي عن الشيوعية أو (الحقني يا صديق يوسف)

قرشي عوض

بعض الذين انتقدوا تصريح الحزب الشيوعي فرع عطبرة الأخير، خاصة الشيوعيين منهم، قد سبق لهم أن صمتوا صمت القبور حينما قرر الحزب خوض انتخابات النقابات وفق قانون المنشأة أو قانون 2010. وكان الحزب ينطلق في ذلك من ذات الإرث النضالي الذي ظل يميّزه بين العمل المطالب والخدمي والنضال السياسي.

كما أنهم جميعًا اتخذوا من خطوة عطبرة تكاة أو معبرًا لانتقاد موقف الحزب الرافض للحوار مع تحالف الحرية والتغيير الذي استقر أخيرًا باسم “صمود”. وبعضهم عبر إلى جوهر الموضوع، وهو رفض الحزب للسياسات المالية والاقتصادية التي سبق أن تبنتها حكومة الحرية والتغيير، ممثلة في رفع الدعم عن القمح والوقود وتعويم سعر العملة الوطنية، والمعروفة في أدبيات حزبنا باسم (روشتة صندوق النقد الدولي).

طالما أن الحزب عاد وقبل بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي فيما يخص تشغيل محطات مياه عطبرة بالطاقة الشمسية، مع أن الفرق كبير بين الخطوتين، ولكن (الغرض مرض) كما يقولون.

إذاً، الموضوع بالنسبة لهم ليس الخطوة التي قام بها فرع الحزب في عطبرة، فهي مفهومة بالضرورة ضمن ممارسات الحزب الشيوعي وأدبياته طوال تاريخه، ولا يقبل الخلط بشأنها من قبل كوادر يعتبرون الآن من كهول الحزب على كل حال. ولكن الموضوع الأساسي، في تقديري، هو خلافهم مع خط الحزب السياسي الذي يرفض الانجرار في قاطرة اقتصاد السوق الحر التي تعكف على تزييتها وتشحيمها منظمات ترعى الحراك السياسي والمدني الذي ينادي بالانتقال المدني الديمقراطي الآن.

وما يجمع بين كثير من المنتقدين للخطوة التي قام بها فرع عطبرة، خاصة الشيوعيين منهم، هو الإقامة خارج السودان. ويخضعون تبعًا لذلك لابتزاز التيار الليبرالي الذي يسرح ويمرح في المحافل الدولية، ويستطيع الوصول إلى مواقع صنع القرار في كثير من المراكز التي تصنع السياسة الخاصة بدول العالم الثالث. ويعتبرون ذلك ميزة نالوها بمقدراتهم الذهنية المتفوقة ومواكبتهم لقمم المعرفة الإنسانية، وليس للتنازلات التي أقدموا عليها.

ومثل هذا التضليل، للأسف، ينطلي على بعض العناصر (الهشة والرخوة والضعيفة التكوين) في حزبنا الشيوعي (في استدعاء لمقولات الشهيد عبد الخالق)، الذين يحاول البعض الاستقواء بإحضاره والاستشهاد بأقواله دون لزوم لذلك، سواء استعراضًا للصلابة الثورية علها تغطي على (فنستهم)، وهم في موقف أقرب ما يكون فيه إلى الليبرالية منه إلى الماركسية.

كما أنهم يحتمون برمزية وجماهيرية القيادي في الحزب المهندس صديق يوسف، ويوجهون من خلفها سهام نقدهم للحزب ليقع كل من يتعقبهم بالنقد أو الاختلاف في فخاخ التجني على مقام صديق يوسف الرفيع بلا شك. لكننا نهمس في أذنهم بأن الشهيد عبد الخالق، يا سادتي، إلى جانب حديثه عن ضرورة التعلم من الجماهير وتعليمها، قال أيضًا:

“إن الحزب يقوى من خلال طرد العناصر الضعيفة والرخوة والهشة التكوين.”

ومن أراد منكم أن يتقرب للرأسمالية ومراكز رسم السياسات الخاصة بالعالم الثالث في الغرب، أو حتى من يتردد على أبوابها بمثابرة وصمود، عليه أن يكون واضحًا بدل (اللف والدوران) واصطياد ممارسات الحزب في الداخل، والذي ينشط حقًا وسط الجماهير وفي ظروف بالغة التعقيد، ثم الاحتماء بالقامات الحزبية السامية على طريقة (الحقني يا صديق يوسف)، والتي أصبحت مكشوفة ومفضوحة.

زر الذهاب إلى الأعلى