جمال محمد إبراهيم يكتب : دبلوماسية مداخل الخير ومخارج الشر
فإنّ مداخل الخير قد تتمثّل في الدبلوماسية الناعمة، وتبقى مخارج الشرّ النتيجة الحتمية للدبلوماسية الخشنة
تعتمد الدبلوماسية وآلياتها على التفاوض والحوار سبيلين لتجنّب الصراعات والحروب في الساحة الدولية
جمال محمد إبراهيم
(1)
لعلَّ عنوان المقال قد يريب بعضهم، فأنا لا أكتب موعظة عن الخير والشرّ، وإنّما أحدّث هنا عن الدبلوماسية، وعمّا لحق بها من تحوّل لا يخفى على الناظر، لما آلت إليه أحوال العالم من حولنا. لقد ارتأى العالم بعد الحرب العالمية الثانية أن يكون للمجتمع الدولي صوت للسلم يعلو على صوت الحرب، وأن تودّع البشرية الصراعات الدموية، فترفرف حمامات السلام في أنحاء العالم. توافق كبار العالم مع صغاره على أن تسود مبادئ التعايش والمشاركة، وتأسّست على المبادئ والقيم، كيانات ومؤسّسات وهياكل لتحفظ السلم والأمن الدوليين. رأس الحربة الفاعلة لذلك كلّه هي أساليب الدبلوماسية وآلياتها، التي تعتمد التفاوض والحوار سبيلين لتجنّب الصراعات والحروب في الساحة الدولية.
(2)
لكن الحروب التي تجري بتقنيات التواصل الرّقـمي بصورة غير مباشرة، تركت المُـدن والقـرى أشبه بما جاء من وصفٍ في الكتاب الكريم عن رمي الطير حجارةً من سجِّيل، لتترك البشر والحجر عَصفاً مأكولاً. أو ليس ذلك ما فعله أبالسة الكيان الإسرائيلي في غزّة، بمن حسبوهم أصحاب الفيل، أو هو ذلك الذي شهدناه من أبالسة السُّـودان وهم يدمّرون بلادهـم؟… صارت تلك الحروب (ومثيلاتها) تستعر في الأنحاء لتشكِّل تحدٍياً تقـف معه الأمم المتحدة عاجزةً كلَّ العجز عن ملاحقة آثارها والتصدّي لتبعاتها، ثمّ إحلال السلم والأمن الدوليَّين آخر الأمر.
التطوّرات المُتسارعة في التسلّح الرقمي، والتي بدتْ جليةً في الحروب الناشبة هنا وهناك، تركتْ آليات حفظ السـلم والأمن الدوليَّين تسير بأبطأ من مشي السلاحف. ذلك ما أفضى إلى ما نرى من تراجع في فعّالية المنظّمة الأممية، واستغراقها في أساليب تجاوزتها ثورة التطوّر الرقمي في التواصل، وكان الأحرى أن تلتفت المنظمة لسدِّ ثغرات نقصان فعاليتها، وأن تعيد النظر ليس في أساليب عملها فقط، بل في مواثيقها واتفاقياتها ولوائحها.
(3)
لئنْ تجرّأت الإدارة الأميركية تحت قيادة الحزب الجمهوري، مثلما نشهد أداءها حالياً تحت قيادة دونالد ترامب، الذي انسحب من عديد من الاتفاقيات والهياكل الدولية، فإنَّ على الأمم المتحدة ألا تلومنّ إلا نفسها لو تجاوز الرئيس الأميركي صلاحياتها واستولى على أدوارها. بات واضحاً أنَّ الرجل يستخفَّ استخفافاً بائناً بالمنظمة الأممية وبهياكلها وآلياتها، واتخذ لنفسه أسلوباً يتولى عبره حلحلة المشكلات الدولية، بما في ذلك تسوية الصراعات والحروب الناشبة في أنحاء العالم، عبر مبادراته الشخصية. طبيعة شخصية رجلِ مثل دونالد ترامب يجيد الصفقات التجارية الناجحة، يجد في خبراته الشخصية ما يعينه بتلك الذهنية على تحقيق صفقات سـياسـية على المستوى الدولي فيعقد المصالحات ويوقف الحروب، غير أن أساليب الدبلوماسية الناعمة التي لا تتوافق مع “ذهنية الصفقات” تلك، تحيله على الاعتماد على رسله ومبعوثيه الشخصيّين، من دون أن يعبأ كثيراً بتقارير وزارة خارجيته ودبلوماسيّيها التقليديين، أو حتى الاهتمام بما يخرج من دراسات من مراكز العصف الذهني السياسية الأميركية.
تراجعت إلى ذلك اهتمامات الإدارة الأميركية الحالية بالدبلوماسية الناعمة. لعلَّ من أقدار مبتكر سياسة الدبلوماسية الناعمة، جوزيف ناي، أن يودّع الحياة هذا العام (2025) في عهد رئيس أميركي يُعدُّ المعارض الأول للدبلوماسية الناعمة.
(4)
أوردت مواقع إعلامية عديدة كيفَ تزامن رحيل منظّر الدبلوماسية الناعمة البروفسور جوزيف ناي، مع علوّ أسهم الرئيس الأميركي الذي يؤمن بالقدرة على إجراء التسويات واستعمال القوة الخشنة المؤثّرة. أمّا الدبلوماسية الناعمة التي روّجها ذلك المنظر الأميركي، الذي توفي في مايو/ أيار الماضي، فهي إهدار محض للجهد والوقت. تقلّد جوزيف ناي (ولد في 1933) عدة مواقع نافذة ومؤثّرة خلال حِقب حكم الديمقراطيين للإدارات الأميركية المتعاقبة. ولقد اعتمدت الخارجية الأميركية خلال العقود الماضية الدبلوماسية العامّة سبيلاً فعّالاً في مجال علاقاتها الدولية، بديلاً مرادفاً للدبلوماسية الخشنة. ظلّت الدبلوماسية العامّة من أهم الدوائر في وزارة الخارجية الأميركية، لارتباط الديمقراطيين على ما يبدو بذلك النوع من الدبلوماسية، فمن طبيعة الرئيس الأميركي الحالي الغلو في معارضة تلك الدبلوماسية.
(5)
اتبعت دولٌ كثيرةً شيئاً من هذه الدبلوماسية، ولم تكن ممارسة أميركية محضة. لعلَّ من أساليب تلك السياسة المتبعة في بريطانيا على سبيل المثال، تلك الأدوار التي يقوم بها المجلس البريطاني في توطيد أواصر التواصل الثقافي لتحسين العلاقات في مجال السياسة الدولية. كما أن أوضح مثل لفاعلية الدبلوماسية الناعمة نجاحها في إزالة جدار برلين في ألمانيا، من دون اللجوء إلى استعمال أيّ قوة خشنة.
اندلاع الحروب لا يفسّره جزئياً إلا الغلوّ في استعمال القوة الخشنة، في مقابل تجاهل القوة الناعمة. وحتى ينتصح من يتحرّى النصيحة، فإنّ مداخل الخير قد تتمثّل في الدبلوماسية الناعمة، وتبقى مخارج الشرّ النتيجة الحتمية للدبلوماسية الخشنة.
نقلا ـ العربي الجديد






