حمّور زيادة يكتب :لا دماء كافية في السودان

أنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في أكتوبر  2023، البعثة الدولية المستقلة لتقصّي الحقائق في السودان. اعتبر تقرير البعثة (سبتمبر 2024) حرب السودان امتداداً لعرقلة التحوّل المدني الديمقراطي. ووصفها بقوله “تعثّرت عملية الانتقال إلى الحكم المدني، حيث أطاحت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع معاً بالقادة المدنيين، وفرضت الحكم العسكري”. تابعت البعثة انتهاكات طرفي الحرب. لذلك، لم يجد تقريرهم القبول من الطرفَين. فرفضته وزارة الخارجية السودانية،

واتهمت البعثة بـ”افتقاد المهنية والاستقلالية”، وأنها “هيئة سياسية لا قانونية”. رغم أن البعثة أرسلت التقرير قبل إعلانه إلى الحكومة العسكرية لإبداء الرأي، لكنّ الحكومة تجاهلت الردّ، بينما أعلنت قوات الدعم السريع أسفها على الاتهامات الموجهة ضدّها، وقالت إنها عرضت لقاء أعضاء البعثة للتنسيق والردّ على اتهامات محدّدة، لكنّ البعثة رفضت اللقاء.
هكذا، ورغم أن تقرير البعثة رصد الانتهاكات والاعتداءات ضدّ المدنيين، رفض كلّ طرف ما يتعلّق بانتهاكاته، بينما اعتبر التقرير حجّة ضدّ خصمه، لأن ما تعلمناه من عامي الحرب في السودان أن الانتهاكات ليست جريمة إلا حين يرتكبها الآخر.

وحياة المدنيين غير مهمّة إلا حين يهدّدها الآخر. لذلك، مرّ تقرير بعثة تقصّي الحقائق سريعاً بعد عاصفة من الهجمات والاتهامات. رغم أن التقرير كان واضحاً في تحميل قوات الدعم السريع مسؤولية أغلب الانتهاكات، لكنّه لم يغفل عن انتهاكات الجيش. وقالت البعثة المستقلة إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع (وحلفاءهما) مارستا أنماط انتهاكاتٍ واسعة النطاق، تضمّنت هجمات عشوائية ومباشرة على المدنيين والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية المدنية والمرافق الحيوية الأخرى.
لم يختلف تقرير منظّمة هيومن رايتس ووتش (الصادر أخيراً) عن تقرير بعثة تقصّي الحقائق الدولية. ففي تقريرها العالمي لعام 2025 قالت المنظّمة: “استمرّ النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مع ارتكاب الأطراف المتحاربة، وخاصّة قوات الدعم السريع، جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، وانتهاكات أخرى للقانون الإنساني الدولي”.

اتهم التقرير قوات الدعم السريع بارتكاب إعدامات جماعية على نطاق واسع، وقتلٍ خارج القانون، وأعمال عنف جنسي، واستعباد جنسي، واستهدافٍ لممتلكات المدنيين وجرائم الحرب… ضمن قائمة اتهامات طويلة.

كما اتهم التقرير الجيش بالقصف العشوائي لمناطقَ مأهولة بالسكّان، وتدمير البنية التحتية المدنية عمداً، وارتكاب أعمال عنف جنسي، وإعدامات بإجراءات موجزة، وتعذيب في حقّ المعتقلين، وتشويه للجثث.
ومثلما أفاد تقرير بعثة تقصّي الحقائق المستقلة من قبل، هناك حالة إفلات من العقاب لدى الطرفَين. وقد ذكرت البعثة أن السلطات العسكرية تركّز جهودها فقط في الشكاوى المقدّمة ضدّ انتهاكات المليشيا.

وخلصت إلى أنه ليس هناك استعداد لمحاسبة كلّ المسئولين عن الانتهاكات على قدم المساواة. كذلك أشار تقرير “هيومن رايتس ووتش” إلى المسألة نفسها، فاتهم الطرفَين بالتقاعس عن محاسبة قواتهما، وأنهما أشاعا مناخاً يسوده الإفلات من العقاب.
التقارير الدولية كلّها، التي توثّق الانتهاكات في حرب السودان، ستجد الرفض، لأن لا أحدَ يريد أن يسمع الحقيقة كاملة. وفي ظلّ التحشيد المتزايد لا يهتم أحد بالضحايا، ما لم يكن قاتلهم من الطرف الآخر. على المستوى المحلّي يرغب المتقاتلون (وأنصارهم) في سماع إدانات تعزّز موقفهم وتجرّم الآخر. وعلى طريقة مشجّعي كرة القدم، فإن الطرف المسلّح الذي أشجّعه لا يُخطئ. وقد ذكر تقرير البعثة الدولية المستقلة أن تراكم حالات الإفلات من العقاب هو ما يشجّع على مزيد من العنف والانتهاكات، لكن هذه مسألة لا تبدو مهمّة لمن يعتبرون الحرب الأهلية السودانية ضرورة لا نهاية لها إلا بخضوع طرف لآخر.
دولياً، استجلبت التقارير عقوبات تجاه عدد من قادة الحرب، مثل زعيم الحركة الإسلامية علي كرتي، وقائد الجيش عبد الفتّاح البرهان، وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) وشقيقيه، وغيرهم. لكنّ العقوبات لم تخفّف من حدّة الحرب، ولا قلّلت الانتهاكات. ورغم التحذيرات الدولية، تواصل قوات الدعم السريع حصار مدينة الفاشر مهدّدة بمذبحة جديدة، كما هدّد القائد الثاني لـ”الدعم السريع”، عبد الرحيم دقلو، بنقل الحرب إلى ولايتي شمال السودان. وهو التهديد المناطقي الثاني بعد تهديد حميدتي في تسجيل سابق. يعيد هذا التهديد للأذهان ما ارتكبته قوات الدعم السريع من جرائم في قرى ولاية الجزيرة بوسط السودان، ويبدو أنه ذاته ما تحلم بفعله في قرى الشمال، كأنّما كلّ ما أريق من دماء ليس كافياً.

 نقلا عن- العربي  الجديد

اكتشاف المزيد من شبكة الخبر

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *