حديث المدينة الأحد 16 فبراير 2025
أدهشني رواد مواقع التواصل الاجتماعي أمس، وكأنها مباراة “كلاسيكو” تحتشد بالإثارة والتشجيع وهتاف الجمهور. متابعة عالية – ولأول مرة في تاريخ الاتحاد الأفريقي – لانتخابات شغل المراكز القيادية في مقعد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بين مرشحي كينيا وجيبوتي، وعلى منصب نائب رئيس المفوضية بين مرشحي مصر وليبيا والجزائر والمغرب.
وعندما أُعلن فوز مرشح جيبوتي، أطلق كثيرون في مواقع التواصل الألعاب النارية، ودقوا الدفوف، ووزعوا الحلوى الإلكترونية. ثم جاءت المرشحة الجزائرية لتكتمل الصورة. وفي الحال بدأت تغريدات تزف التهاني لوزارة الخارجية السودانية على مجهودها الدبلوماسي الذي تكلل بإسقاط مرشح كينيا لصالح مرشح جيبوتي.
المشهد يبدو كاريكاتيري طريف، لكنه في الوقت ذاته يكشف الخلل المريع في فهمنا للوضع الذي تعاني منه بلادنا.
العقلية السودانية تميل دائمًا إلى مبدأ (الآخرون هم الجحيم)، وما متابعة الكثيرين لانتخابات الاتحاد الأفريقي إلا ليقولوا إن المفوضية المنتهية ولايتها هي السبب في تجميد عضوية السودان والمتاعب الدبلوماسية التي تمر بها البلاد.
والحقيقة أن لا الاتحاد الأفريقي، ولا الإيقاد – التي أيضًا جمدنا نحن عضويتنا فيها – ولا الأمم المتحدة، ولا السجن ولا السجان باقٍ. كلها غير مسؤولة عن متاعبنا الدبلوماسية… يداك أوكتا وفوك نفخ. كلها من صنع أيدينا عمدًا أو غفلة.
السودان يعاني من غياب الرؤية الاستراتيجية لعلاقاته الخارجية. ليس هناك مؤسسات لصنع السياسة الخارجية. فهي تنبت مثل الحشائش وفق الظروف لا التخطيط، وتقتات الدبلوماسية السودانية برزق اليوم دون قدرة على النظر لأفق بعيد مدروس ومتحسب له.
كتبت كثيرًا عن أهمية تحديد مؤسسات صنع السياسة الخارجية. فوزارة الخارجية هي الجهة التنفيذية لهذه السياسة. والمبدأ الذهبي دائمًا أن لا تكون جهة التنفيذ محتكرة للتخطيط، لأن عقلية التخطيط تختلف عن عقلية التنفيذ.
الجهات التي تصنع السياسة الخارجية هي رئاسة الدولة، والمخابرات، والأمن، والاستخبارات العسكرية، ومركز الدراسات الأمنية والاستراتيجية، ومركز الدراسات والبحوث الدبلوماسية، وأي مراكز بحثية أخرى متخصصة.
مهمة هذه الجهات النظر إلى الأفق الدولي والإقليمي البعيد، ورسم خطة استراتيجية قابلة للاستجابة للمتغيرات إذا طرأت. وعلى ضوء هذه الخطة تصدر السياسات العامة التي تعمل بها وزارة الخارجية.
الجهات ذاتها التي صممت الخطة الاستراتيجية يمكنها دراسة المتغيرات الكبرى لإعادة تصميم المنعرجات الطارئة. مثلًا: تغيير النظام في سوريا، أو خطة ترامب للشرق الأوسط، وغيرها.
وبالضرورة ستعتني الخطة الاستراتيجية بتعزيز القوة الدبلوماسية للسودان ليكون مؤثرًا في محيطه الإقليمي وأدواره الدولية لصالح الأجندة الوطنية. لا يجب أن ننتظر تغيير رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي لتحقيق أجندتنا. بالإمكان التخطيط ليكون البُعد الجيوسياسي للسودان هو المؤثر على المنظمات الإقليمية والدولية لضمان وقوفها مع أجندتنا.
ستمضي الأيام، ويدرك الذين تابعوا انتخابات مفوضيات الاتحاد الأفريقي أنه لا الجديد القادم، ولا القديم الماضي، كان ليُخفف شقاء أو ليزيد هناء بلادنا. الأمر بيدنا أن نكون دولة مؤثرة، لا دولة تنتظر محاسن الصدف أو عطف الدول الأخرى.
نقلا عن صحيفة التيار
اكتشاف المزيد من شبكة الخبر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.