بهاء الدين عيسى يكتب :سودان «الخمس سنوات» : مقايضة الأمن بالسياسة
تحليل سياسي
بين دوي المدافع في السودان وطموحات العودة إلى القصر، رسمت الحركة الإسلامية السودانية خارطة طريق مثيرة للجدل، تضع المؤسسة العسكرية في سدة الحكم لنصف عقد من الزمان.
تصريحات القيادية سناء حمد لم تكن مجرد موقف سياسي عابر، بل بمثابة “مانيفستو” جديد يسعى لشرعنة وجود التيار الإسلامي تحت عباءة الجيش، مستغلاً حالة الإنهاك الوطني لفرض معادلة “الاستقرار مقابل التفويض”، في خطوة قد تعيد صياغة مستقبل البلاد لسنوات قادمة.
تبعية الحزب للحركة
في اعتراف ينهي عقوداً من المناورات التنظيمية و”التقية السياسية”، حسمت حمد الجدل حول تراتبية القوة، مؤكدة أن “المؤتمر الوطني” ليس سوى الذراع السياسي الذي يأتمر بأمر الحركة الإسلامية. هذا الإقرار الصريح يمثل تحولاً جذرياً؛ فهو من جهة يُحمل الحركة المسؤولية المباشرة عن إرث نظام البشير، ومن جهة أخرى يبعث برسالة للمجتمع الدولي بأن أي تسوية تتجاوز هذا الثقل التنظيمي والميداني لن تجد طريقاً للتنفيذ، خاصة مع تغلغل كوادر الحركة في “ألوية الإسناد” التي تقاتل بجانب الجيش.
خماسية الحكم العسكري
تجاوزت الرؤية الإسلامية فكرة “الانتقال المدني” السريع، مقترحةً فترة حكم عسكري مدتها خمس سنوات كحد أدنى، بذريعة مواجهة تحديات “الخوف والجوع”. هذا المقترح يمثل “مقايضة وجودية” تهدف لقطع الطريق أمام القوى المدنية وتوفير غطاء زمني كافٍ للحركة لإعادة ترتيب صفوفها.
ويرى مراقبون أن هذا الطرح يحاول تحويل الجيش من “طرف في نزاع” إلى “وصي على الدولة”، مما يمنح التيار الإسلامي فرصة للعودة إلى المشهد من باب “الإسناد والضرورة”.
اشتباك مع واشنطن
لم تخلُ الرؤية الإسلامية من نبرة “السيادة الوطنية” في مواجهة الاشتراطات الخارجية، حيث وصفت الحركة الموقف الأمريكي بـ”التناقض الصارخ” الذي يمس استقلالية القرار السوداني. وبرفضها القاطع لـ”الخطوط الحمراء” الدولية بشأن دورها المستقبلي، تسعى الحركة لتصدير نفسها كرقيم صعب في معادلة الاستقرار الإقليمي، مشددة على أن الحوار مع الخصوم يجب أن يمر حصراً عبر بوابة الدولة، ما يغلق الباب أمام أي تسويات ثنائية قد تهمش دور التنظيم.
مآلات الحل العسكري
يبدو أن الحركة الإسلامية قد راهنت على “خيار الحسم” كبوابة وحيدة للحل، معتبرة أن الحرب رغم مآسيها قد منحتها “قبلة حياة” سياسية. ومع تزايد الانصهار بين طموح التنظيم وقدرات الجيش، يبقى السؤال معلقاً: هل سينجح السودان في الخروج من نفق الحرب بوفاق وطني شامل، أم أن البلاد تمضي نحو استنساخ تجربة حكم بملامح عسكرية وإسلامية، تضعها في صدام مستمر مع محيطها الإقليمي والدولي؟











