عبدالله علي إبراهيم يكتب : الشيخ علي بيتاي: المدرسة تغشّ القلوب
أغرتني كتابات الدكتور ناهد محمد الحسن القسيمة النافذة عن كتاباتي أن أشرك قارئها في هذه الكلمة التي نعيت بها الشيخ على بيتاي لدى رحيله رحمه الله في 1980.
“ورأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقال نبه أمتي قل لهم لا تقتل الغزلان ولا أولاده الصغار.” من رسالة للشيخ علي بيتاي
كان المشهد غزيراً حين أغمض عينيه للمرة الأخيرة. هذا الجميلابي البقلدابي من الهدندوة. الأمي، الأعرج، مندوب النبي إلى أمته، 57 عاماً. فقد ترك في أهله البداة 7 قرى بها 30 ألف قاطن يطلب العلم فيها 6085 ذكراً ما بين سن السابعة والسبعين و1355 أنثى ما بين سن العاشرة وسن الأربعين. وكان المشهد عميقاً أيضاً. فقد تركتْ دعوة الشيخ، التي بدأت في الجمعة الأخيرة من شوال 1373 (1953) بصمة قوية على حياة أهله: في زواجهم وزينتهم وكيفهم ومعاشهم ومآتمهم وثأراتهم. كان المشهد غزيراً وعميقاً في ريفي الحدود، وهو من أبأس ديار الوطن، ووسط الجميلاب، الذين تتحدث التقارير الرسمية عن “شراستهم وإجرامهم” التأريخيين.
لعلي بيتاي رسالة أنشأها في نوفمبر 1955 وهو قيد الإقامة الجبرية بأروما. وتضمنت الرسالة رؤى يقظانية مع النبي ومشاهد من سيرته ودعوته. والرسالة من نثر الرؤى المعروف الخطر. وهناك عينات ناضجة منه في تراث الشيخ بدوي أبو دليق حين كان يؤهل نفسه لخلافة كل الطريقة القادرية، وتراث الإمام المهدي وهو يستجمع في شخصه قوى الأولياء الموزعة لينهض بالثورة. وفي (الرسالة) خيال أساسي مثل قول الشيخ عن أيام غرقته: “وكان يسمونني في زمن غرقتي بالمجنون. الناس الذين لا يعرفونني. وقد كنت اتبع الحيوانات مثل الغزال والأرنب وآكل القرض، وكنت أتكلم بجميع ما أراه. وفي هذه المرة جروا ورائي جميع الخلق والحيوانات.”
ولعلي بيتاي في (الرسالة) كلمات محكمات جميلات مثل “فرح الشجر والحجر” “وحيات البحر المختصمات” “واستواء الدنيا والتراب”. ويقول الشيخ عن نفسه إنه إذا زعل تهلك الدنيا لأن السموات والأرض كهبّابة الجَبَنة معه. هدندوي! هدندوي!
الشيخ سيء الظن بالمدرسة وتعليمها. فقد رأى أحد متعلمي المدارس (قرأ المدرسة وأحب الكفار وعاداتهم) ضمن ثلاثة أموات يجري تعذيبهم “أجسادهم مقبّلة إلى المغرب في علو ورؤوسهم في محل واطي وجسمهم أسود ليس له حد في السواد ولهم أنين لا ينقطع ولقد ظهرت من جسدهم حبوب مثل الملح”.
وحين أطلعَ النبي (ص) الشيخَ على هذا المشهد حذّره من هذا النفر. فأزواجهم أمهاتهم حين يتزوج الموقنون الحور العين. “ومن ضحك معهم فقد ضحك مع الشيطان”. وليس لأحد أن يسلّم عليهم إلا إذا بدأوا بالسلام، أو إذا خِيف غدرهم. ولا خطاب معهم قبيح أو طيب. وإذا طلبوا النصح فليُدَلُّوا على قبح أعمالهم، وإذا طلبوا شيئاً من منافع الدنيا فليُعطَوْه. ولا زواج منهم.
وربما رأينا غلوّاً في كلمة الشيخ هنا. غير أن له في حياته وإنجازه ما يبرر سوء ظنه القوي بالمدرسة. فالمطلع على التقارير الرسمية المبكرة عن الشيخ لا بد أن يأسف للسلبية التي قوبلت بها حركته. فقد تشوش المسؤولون على أيام الحكم الذاتي (1954-1956) والاستقلال عن إشراقة إصلاح الشيخ بهاجس الأمن. وشقي الشيخ بهذا أيما شقاء. وظل منذ أبريل 1955 حتى 1960 مبعداً من مركز خلاويه ملاحَقاً بالضمانات المالية والإقامة الجبرية في أروما (1955)، وحلفا (1956)، وكسلا (1957) والخرطوم (1958). إلا أن التغيير الذي قدح الشيخ زناده ما خمد له لهب. فقد زار مفتش البجة همشكوريب في مارس 1956 وفي غيبة شيخها ورأى شيئاً عجبا. فلأول مرة يرى لدى قبائل البجة الرحل قرية كاملة تحوي نحو 200 منزلاً من القش وعشر رواكيب هي المساجد التي يُدرس فيها القرآن. ورأى الناس وقد أزالوا شعرهم الذي كانوا يفخرون به وأبدلوا ثيابهم الرثة بأخرى نظيفة تسر الناظرين. ووجد أن نحو 150 ولداً تتراوح أعمارهم بين الثامنة والعاشرة يتعلمون القرآن وحالتهم مُرضية. وحين سأل مساعد المفتش عن وكيل الشيخ صمت القوم صمتاً. فهذا حديث لم يأذن لهم شيخهم بالخوض فيه. لأنه “ضحك مع الشيطان”.
حين ترى الخوف الذي استولى على المسؤولين من الشيخ لابد أن ستقرُ عندك ما فعلته المدرسة بخريجها. لقد حجبت عنهم إمكانيات بيئتهم والأدوار الإصلاحية المتوقعة لكادرها التقليدي الكامن، كالمهدي أو نبي الله عيسى أو غيرهما. لقد بثت السلطة الاستعمارية في مناهج المدارس وغيرها فزعاً دقيقاً من المهدية. وطابقت بينها وبين انفراط حبل الأمن. ولامست حركة الشيخ هذا الفزع المركوز في نفوس الخريجين. فأنت واجد في كتبة التقارير الرسمية مَن ترسخ حذره من الشيخ لأن أهله الجميلاب كانوا في عصبة سمبو في نيالا عام 1921. وأنت واجد في الصحف مَن يحذّر من الشيخ لمشابهةٍ بينه وبين الفكي السحيني الذي نطح نطح الفكي سمبو في نيالا عام 1921. وسمبو والسحيني وتقليدهما الثوري مما نحتاج إلى يومنا الراهن لضبطه جيداً لبيان أن شوكة بلادنا لم يكسرها طول قهر المستعمر ولا عمقه. ولكن المتعلم بالمدرسة، الذي سعى لتحرير البلاد بأسلوبه، كان قد انتهى إلى نفس ريبة المستعمر في الثوري التقليدي (الأمي غالباً) لانقطاعه عن الأجواء التي يتخرج منها ذلك الثوري: أجواء الجذبة والخلوة والغَرْقة وصحبة الحيوان في الفلوات والمعرفة المباشرة بالاستشراق المنبهل على القلب النظيف آكل الحلال، والإخبار عن النبي والصدوع لأمره، والرسالة المانيفستو. وظن الخريج بهذه الأجواء الظنون ونسبها بغموضها إلى مركز الفوضى ولا يخرج منها إلا كل داعية بالعصيان مما يحتاج معه إلى تحري الخطط وتحريك الوحدات النظامية “حتى لا ينجم من مثل هذا الرجل وأتباعه ما يعكر صفو الأمن.”
والشيخ محقوق في ظنه السيء بالمدرسة. فقد جئنا بالمدرسة إلى منطقة نشاطه التربوي ولم نتكلف سؤال أنفسنا عن الفكرة الكبيرة وراء إحداق المدارس بخلاويه. لقد حل الشيخ بخلاويه أعقد إشكال في فلسفة التعليم حين اقترب من التعليم المتكامل الذي يوطن الدارس في تاريخه وبيئته ويحفزه للتغيير من معطياتهما. وهو تعليم في استدارة مواسم الطبيعة. لا تخرج عن جلدك لتحصيله، ولا تنقطع عنه لتنتفع به، ولكأنك تتمثّله تمثل الأشجار الشمس البهيجة والسماء الشهية والماء الودود. وهذه مأثرة قصر دونها تعليمنا الحديث على حسن نية المحاولات التي أرادت أن تردفه بعناصر التكامل مع البيئة ابتداء ببخت الرضا وترييف التعليم حتى مشروع التعليم الأخضر.
لقد تعجّب مساعد مفتش البجة وهو يرى ازدهار خلاوي الشيخ في حين عجز هو عن إيجاد تلميذ واحد لإحدى مدارس المنطقة. وبلغت نسبة التسرب 100% بين الفصل الأول والسادس في المدارس الابتدائية بقرى درسا ومامان وإيلاتيوز حسب إحصائيات 1975-1976. وانصرفنا عن تعليم البنات بالمنطقة مرة واحدة ظانين في الهدندوية قلة الوعي وهي التي تغص بها الخلاوي. ومع هذا لم نوّفق إلى سؤال أنفسنا: لماذا نروّج للمدرسة في بيئة ينبثق تعليمها من تجربتها التاريخية والمعاشية؟ لماذا نتجشم تعليم القوم في حين نصم آذاننا عن اقتراحاتهم العملية للصورة التي يريدونها له؟ لهذا قال الشيخ: “المدرسة تغش القلوب”. ولهذا جاء في اللعن عند الكبابيش: “المدرسة يقرقر فيها البعشوم”. . . كناية عن الخراب.
لقد تحفظت في القول ببلوغ مؤسسة الشيخ التربوية غاية التعليم. فهي على حالها الراهنة ناقصة نوعاً ما في بعدها القومي العام. وهو نقص ظهر أن الشيخ منتبه له حين حث الأولاد على الالتحاق بالمدارس أيضاً وتولى الإنفاق على النجباء منهم لما رأى كره أولياء أمورهم ترقيهم في سلم التعليم القومي. وكان على أهل التربية أن يبدؤوا من هذا النقص بأناة حتى يصلوا ما بين مناهج خلاوي الشيخ ومناهج المدرسة القومية المعروفة، ويهيئوا لخريجي تلك الخلاوي بخاصة شهادات مقومة تكفل للراغبين منهم السير في مدارج التعليم القومي. وكان المأمول وما يزال أن يتم ذلك بروح مستنير متحل باحترام جدي للإبداعية التربوية التي تستبطن مؤسسة الشيخ وروح ملتزم بإخراجها من النقص إلى الكمال بلا تعسف ولا استعلاء.
سمع الشيخ النداء: أمتي. أمتي. أمتي . . . ولبّى. انتصر في حياته الحافلة للغزلان والهدندوة على أنه مندوب الأمة من سهل وجبل. وسنحتاج إلى النظر الدقيق في تجربة الشيخ وقد تركنا جانباً ما تواضعنا عليه من حذلقة ومسبقات وبرم. وأحس أننا سنصدق الشيخ حينئذ في كلمته من أن النبي قال له إن مدته ستكون سعيدة على أمته.
ما الذي سيبقى من مأثرة الشيخ؟ هذا ما سيقرره أحبابه وخلفاؤه منهم بوجه خاص. وتبقى مع ذلك كلمة. الكثيرون راغبون في إسداء خدمة ل “أدروب الجائع في الشرق”. القليلون هم القادرون على مخاطبته وهو يلتحف أساه التاريخي صامتاً في لغاته الأثرية. والواحدون فقط في كل حقبة تاريخية مَن يستطيعون انتزاع ثقته. وعلي بيتاي كان واحداً في الواحدين. وسيرطّب قبره أن يتصل العمل باسمه من أجل الهدندوي البسيط بريفي الحدود.






