«نصر الدين أبو القاسم» .. سِكّة ما بتودي ليك .. تبقى ظالمة حرام مشيها
بقلم د. أمجد إبراهيم سلمان
في كتابه الفريد «المستطرف الصيني»، يفتح المُفكّر العراقي هادي العلوي نافذةً على الحِكمة التي تعمل في صمت، وتؤمن بأن الأثر الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج. وقد كان اطلاعي على هذا الكتاب – عبر الصديق الألمعي عماد آدم بابكر في نهاية التسعينات – مدخلًا لفهم الثقافة الصينية ولمعنى أن يكون الإنسان أكبر من موقعه، وأعمق من تصنيفه الفكري.

وفي حفل تكريم عزيزنا الباشمهندس نصر الدين أبو القاسم ، استدعاني هذا الكتاب بقوة ؛ أولاً لأن الكتاب يعكس صورة الصين التي مكث فيها أخونا نصر حوالي 6 سنوات هي نفس الفترة التي أمضاها المفكر هادي العلوي هناك ، و أيضاً وجدت في صفحاته ما يشبه سيرة نصر الدين: عملٌ كثير وحديثٌ قليل ، حضورٌ مؤثر دون حرصٍ على الظهور ، وروحٌ جامعة تتقدم الصفوف بصمت ، كما أن الحضارات العريقة كما الصينية تصبغ الإنسان بصبغتها المميزة و هي في هذه الحالة الحِكمة و الصبر و بعد النظر ، خاصة إذا ما حضر إليها المهاجر و هو في ريعان الشباب.
غير أن سيرة نصر الدين لا تبدأ من منصة تكريم، بل من رحلة شابٍ كان طموحه أكبر من جغرافيا اللحظة. قُبل عام 1986 لدراسة الهندسة المعمارية بجامعة السودان في الخرطوم ، لكن نفسه كانت توّاقةً إلى السفر. اعترضت والدته – وهو وأخوه الأكبر عامر ابناها الوحيدان – خشية الغربة ، فعاد إلى الجامعة في الخرطوم وفي صدره شوقٌ لم يخمد. ثم جاءت المصادفة التي غيّرت المسار ؛ اتصالٌ من شقيقه الأكبر عامر في نهاية عام 1986 يخبره بقبوله لدراسة الهندسة المدنية في الصين ، بعد أن قدّم له أخوه في المنح الخارجية نيابةً عنه ، و للمصادفة فقد كان الخيار بين الصين و الاتحاد السوفييتي ، فاختار له الأخ ما أعتقد أنه الأفضل.

شدّ عزيزنا نصر الرحال إلى مدينة خانجو، على بعد نحو مئتي كيلومتر جنوب شنغهاي ، وهناك لم يدرس الهندسة المدنية فحسب، بل درس الصبر والانضباط واتساع الأفق. تخرّج بدرجة البكالوريوس، وخرج من الصين متقناً للغة الصينية بطلاقة، حاملاً تجربةً حضارية عميقة الجذور صنعت فيه ذلك المزيج الفريد من الهدوء والمبادرة.
وعندما استقر به المقام في قطر بعد فترة عمل قصيرة في السودان، لم ينتظر منصبا ليبدأ العمل العام.
قبل اللجان واللوائح، كان هناك همٌّ صادق يسكن قلبه: جمع المهندسين السودانيين حتى و لو على المستوى الاجتماعي. نظّم لقاءاتٍ مبكرة في فندق مروب، كانت النواة الأولى لتكوين اللجنة التمهيدية، ثم لانطلاق العمل المؤسسي لرابطة المهندسين السودانيين بدولة قطر و التي عمل فيها الحبيب نصر الدين لعشرة دورات متتالية.
خلال دورتي 2013–2015 و2015–2017، تولى سكرتارية الشؤون الاجتماعية والثقافية، لكنه كان أكثر من مسؤولٍ تنفيذي؛ كان نقطة التقاء. يعرف الجميع ويعرفه الجميع. لم تكن الشؤون الاجتماعية عنده جدول فعاليات ، بل شبكة إنسانية حيّة: حضور في الأفراح، مواساة في الأتراح، المشاركة الفاعلة في إسكان للمهندسين و المهندسات النازحين من الحرب في منطقتي العزيزية و مكينس لحوالي 76 مهندس و مهندسة لمدة عام كامل .
وقدم عددٌ من الحضور في حفل التكريم كلماتٍ دافئة في دماثة خلقه و نقاء سريرته ، منهم باشمهندس عادل أرباب ، بروفيسور نمر البشير ، باشمهندس هاشم ابن عوف ، باشمهندس بهاء الدين بخيت ، باشمهندس نزار فقيري و باشمهندس أبوبكر الرشيد الرئيس الحالي للرابطة ؛ فقد دأب نصر الدين على تقديم العون لكل من يصل حياضه بأريحيةٍ صادقة. لا توجد دروب لا تؤدي إليه، ولا رنّة هاتف لا يرد عليها. حضوره متاح، ووقته مبذول ، وقلبه مفتوح قبل بابه.
ولم يقتصر عطاؤه على الرابطة وحدها؛ فقد حمل على عاتقه مسؤولية كبيرة ضمن لجنة تسيير الجالية، ممثلاً للمهندسين، وهو عملٌ مضنٍ استمر لسنوات ، تطلّب صبراً وتوازناً وقدرةً على الجمع بين التباينات. كان صوتاً عاقلاً في الاجتماعات، يسعى إلى التوافق، ويُغلّب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
كما كان حاضراً في مبادرات الروابط الأخرى؛ من الإفطارات الرمضانية التي عززت أواصر القربى بين مكونات الجالية ، إلى المساهمة الفاعلة في تنظيم أربع صلوات للعيد بالمركز الثقافي السوداني – المبادرة التي ابتدرها الباشمهندس عمّار العوض – و قامت بالاشراف عليها لجنة مبادرة طوعية خالصة أشرف عليها المركز الثقافي السوداني و قد كان الباشمهندس طارق منصور قلبها النابض و حبيبنا نصر مدير علاقاتها العامة بلا منازع ، في تلكم الصلوات تجلّى العمل الجماعي في أبهى صوره ، وكان نصر الدين في قلب الجهد تنظيماً ومتابعةً وتحفيزاً.
وعندما طُلب إلى كاتب هذه السطور أن يقول كلمة في حقّه، لم يجد أبلغ من استعارةٍ من أدب الواقعية السحرية حيث قال: “إن اتصالات الباشمهندس نصر الدين تُصيب هاتفك الجوال بحالةٍ من الفرح ؛ كما تفعل اتصالات الساعين بالخير بين الناس ، أمثال الأصدقاء بسّام بابكر ، وأبوبكر الرشيد، و هاشم ابن عوف، والحبيب البراء جمال ود. عبد الرحمن حمد و د. أسامة النور و مولانا عبد الباقي الجزولي ود. محمد ود التاي … والقائمة تطول”. فبعض الأسماء حين تظهر على الشاشة، لا تحمل طلبا ثقيلاً ، بل تحمل معنىً جميلاً بأن من بيننا من يسعد بإسعاد الآخرين.
هكذا كان تكريمه في سميسمة أكثر من احتفاءٍ بشخص؛ كان احتفاءً بقيمة. قيمة الإنسان الذي يجمع ولا يفرّق، يعمل ولا ينتظر المقابل، ويؤمن أن العمل العام رسالة لا محطة ، و بارقة أمل بأن حوائنا لا تزال حبلى بالكثير.
و من اللفتات البارعة كان فيديو تضمن تسجيلات مرئية لعدد من أصدقائه و أسرته تحدثوا فيها بحب كبير ، و في هذا المقام لا يسعنا كما أمّن الجميع إلا أن نشكر حرمه المصون التي كانت و لا زالت المعين الدائم على الخير و تحملت مع أسرتها الصغيرة عناء غياباته المتواترة عن البيت الأسري بسبب الالتزامات الاجتماعية الكبيرة.
لنصر الدين نقول: شكراً لأنك كنت البداية، وكنت الرابط، وكنت الاستمرار.
ونسأل الله أن يجعل ما قدّمت في ميزان حسناتك، وأن يبقى أثرك حياً في ذاكرة كل من مرّوا بدروبك… تلك الدروب التي، بحق، لا تنتهي إلا عند بابك المفتوح.
أخوك دائما أمجد إبراهيم سلمان
الإثنين 16 فبراير 2026







