آراء ومقالات

مصعب رشاش يكتب : ما هي أهدافنا و تحدياتنا الوطنية الكبرى ؟ 

Rushash72@gmail.com

في فيلم الإرهاب و الكباب و في لحظة غضب و إحباط من تماطل و تسيب الموظفين يقوم عادل إمام و بعض أعوانه بالسيطرة على برج الخدمات الحكومية و احتجاز عدد من الرهائن . و عندما حضر وفد حكومي رفيع للتفاوض معهم عبر الهاتف قام الوزير ( كمال الشناوي ) بسؤال عادل إمام عن مطالبهم . فاجأ السؤال عادل إمام فتساءل قائلا لنفسه : ( مطالبنا ؟!!! إزاي ما فكرناش فيها دي ) .

نحن في السودان , نهوى أوطانا , ظللنا في حالة حروب , انقلابات و ثورات . ترى هل تحركنا في هذا التدافع قضايا مصيرية أم أن ما يجري يحدث نتيجة فقدان البوصلة و غياب التفكير في القضايا المصيرية من الأساس ؟ هل نحن نسعى من أجل الاستقرار أولاً و من ثم نفكر في القضايا الكبرى ؟

الإستقرار ليس هدف في حد ذاته و إنما هو شرط يعمل ضمن شروط أخرى على توفير المناخ الملائم لتحقيق الأهداف . فما هي أهدافنا الوطنية الكبرى ؟ و ما هي التحديات الكبرى التي تواجهنا و نسعى إلى التعامل معها و حلها وصولاً إلى الأهداف الوطنية الكبرى .

التحديات الكبرى عادة ذات طبيعة إنسانية . أي أنها تهدد وجود الإنسان بوصفه كائن حي و ليس بوصفه كائن له احتياجات ثقافية أو معنوية . مثل ظاهرة الاحتباس الحراري مثلاً . فالاحتباس الحراري تحدي يهدد الحياة على هذا الكوكب الأزرق . يهدد حياة كل البشر غض النظر عن الوانهم , لغاتهم ,أديانهم أو جنسياتهم . و بالتالي تتطلب مواجهة التحديات الكبرى تعاون و تنازلات و تضافر جهود الإنسانية كلها بالأساس .

و بالتالي يمكن تعريف التحديات الوطنية بأنها التحديات التي تهدد حياة ( الناس ) الذين يعيشون داخل حدود سياسية معينة غض النظر عن اختلافاتهم الثقافية و خلفياتهم العرقية , الدينية و غير ذلك . و بذات القدر يجب أن تكون مصفوفة الحلول التي توضع لمجابهة التحديات الوطنية مصممة لتؤدي مهمة حفظ حقوق و حظوظ كل شركاء الوطن في الحياة الكريمة ابتداءَ .

فمثلاً ترى أوروبا أن أزمة المياه تمثل أحدى التحديات الكبرى لديها . و أن تحدي الماء سيتحول إلى كارثة في المستقبل نتيجة تراجع إيرادات أنهارها الكبرى و ذوبان الجليد . و في سبيل مواجهة هذا التحدي بدأ الاتحاد الأوروبي تصميم استراتيجيات للتعامل مع الموضوع بجدية . فاكتشف الإتحاد الذي يدعم الزراعة بمبلغ 60 مليار يورو سنوياً أن معظم التمويل يذهب إلى زراعة الأعلاف الحيوانية . و أن 60% من تلك الأعلاف تصدر إلى الصين . و وفقاً لذلك التحليل اتخذ الإتحاد قراراً بتخفيض دعم الزراعة و التوجه نحو استيراد الغذاء من أجل حماية الموارد المائية .

و المثير في الأمر أنه عندما تفشل الدول في تحديد تحدياتها الكبرى تفاجئها الأزمات التي ستنتجها تلك التحديات آجلاً. و من ثم ستغرق الدول فيما بعد في محاربة الأزمات و على الأرجح ستفشل في ذلك . و لذلك التحديات الكبرى تفسر سلوك الدول الواعية في سياستها الخارجية و سياساتها الوطنية .

في اعتقادي أننا نعيش حالة من التوهان المعرفي بشأن تحدياتنا الكبرى . و ذلك يفسر التخبط في تكوين التحالفات الدولية . ليس لدينا علاقة استرايجية مع أي دولة من دول الله المائة و ستة و تسعين دولة حتى الآن . كل بضعة سنوات تتغير خارطة علاقاتنا الدولية . و ذلك لأننا نجهل تحدياتنا الوطنية الحقيقية . و معرفة تلك التحديات هو ما يقود إلى تشكيل التحالفات الاستراتيجية .

و يمكن ملاحظة حالة التوهان في مسألة تشييد القواعد العسكرية على حدودنا الساحلية على البحر الأحمر . قبل فترة قال أحد كبار المسؤوليين في لحظة كرم حاتمي مدهشة , بأنه ليست لديهم مشكلة في منح قواعد لروسيا و الصين و أمريكا و كل من يرغب . و ذلك دليل على أنه لا توجد لدينا فكرة وطنية محددة عن ما نريده نحن من ساحلنا على البحر الأحمر .

كل العروض المختلفة التي تعرض بين الحين و الآخر تدل على أن تفكيرنا تجاه الأمر هو تفكير تكتيكي قصير الأمد . تفكير ينبع من حاجة آنية عاجلة و السعي إلى معالجة ظروف ملحة نعيشها الآن و ليس تفكيراً استراتيجياُ يتعامل مع تحدياتنا الوطنية الكبرى . إنه يشبه تفكير من يبيع أرض زراعية من أجل شراء دقيق قمح نتيجة جوعة طارئة .

قبل الاستجابة لما يطلبه الآخرون ما هي أهمية البحر الأحمر بالنسبة لأمننا القومي ؟ و ما هي استراتيجيتنا للإستفادة من نصيبنا في البحر الأحمر ؟ الفراغ الرؤيوي من جانبنا يغري الآخرين بالإسراع في تقديم مقترحاتهم بشأن الاستفادة من مواردنا و مقدراتنا الوطنية .

العلاقات الدولية باتت تؤسس على غرار ( كسر ده في جبر ده ) . تحديات دولة قد تمثل فرص لدولة أخرى و العكس صحيح . و ذلك مثل علاقة إسرائيل مع الأردن في قضية الماء أيضاً . و هما دولتان تقعان في أعلى قائمة الدول الأشد فقراً مائياً . الأردن تمتلك أراضي شاسعة و هي فقيرة إلى ساحل بحري يمكنها من تحلية المياه . و اسرائيل تمتلك ساحل طويل و تفتقر إلى الأراضي اللازمة لنشر ألواح الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء لتحلية المياه . هذا الوضع نشأت عنه علاقة تكاملية بين الدولتين استطاعا عبرها توفير الماء لمواطنيهما الذين ليس هناك من هو مستعد لتوفير الماء لهم حتى لا يقتلهم العطش .

لننظر إلى وضعنا نحن مع جيراننا . اثيوبيا دولة حبيسة محرومة من أي إطلالة بحرية تربطها بالعالم . و هي تعاني من قلة السهول لزراعتها من أجل توفير الغذاء لمائة و اربعين مليون نسمة . و رغم ذلك تمتلك اثيوبيا منابع النيل الأزرق الذي يوفر ثلثي إيرادات نهر النيل من الماء . و مؤخراً استطاعت أن تشيد أكبر مشروع كهرومائي في القارة .

مصر مثل كل دول جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط تواجه تحدي وجودي في نقص المياه . النيل هو شريان حياة مصر الوحيد لحصول مائة و عشرين مليون نسمة على الماء و الغذاء . و مصر لديها مصادر طاقة متنوعة .

في المقابل , السودان لديه مصادر مياه متنوعة رغم أنه يهدر معظم ثروته من الماء إلى درجة أن كثير من أقاليمه تعيش حالة عطش مزمنة . و يعاني السودان كذلك من أزمة طاقة كبرى . و لا تنمية ولا تطور من أي نوع من دون كهرباء .

فهل علاقاتنا مع الدولتين تقوم على ضوء هذه المعطيات و المطلوبات ؟ أم أنه ليس لدينا تصور وطني شامل لتأسيس علاقة مع الدولتين على أساس ماذا لدى و ماذا لديك ؟ و ماذا ينقصني و ماذا ينقصك ؟ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى