
شبكة الخبر ـ فيتشر
في السادس عشر من يونيو لعام 1976، لم تكن الرياح التي تهب على سهول ولاية “كنساس” الأمريكية مجرد نسمات صيفية عابرة، بل كانت تحمل معها زفرات قلق ممزوجة بالفخر لطالب دكتوراه سوداني وجد نفسه عالقاً في برزخٍ بين نداء الواجب الوطني وهتاف الأبوة الأول.
عبد الرحمن مصطفى؛ ابن “النهود” الذي غادر رمال كردفان ليطوع العلم في مختبرات جامعة ولاية كنساس، كان على موعد مع زلزالين عاطفيين في آن واحد: زيارة تاريخية للرئيس السوداني جعفر نميري للجامعة، ومخاض زوجته التي تستعد لإهداء الدنيا مولودهما البكر في مستشفى “سانت ماري” القابع على مرمى حجر من قاعات العلم.
صراع التوقيت.. حين يغار الوطن من العائلة
لم تكن أزمة عبد الرحمن مجرد تضارب في المواعيد، بحسب وثائقية تاريخ السودان في خبر بل كانت تجسيداً لجيلٍ جُبل على التضحية. فبينما كان يضع اللمسات الأخيرة على عرضه التقديمي حول “الدقيق المركب” — ذلك الحلم الذي يهدف لتحويل الذرة والصويا إلى خبزٍ يطعم الجياع ويرفع من شأن الغذاء السوداني — كانت دقات الساعة تُنذر بقرب صرخة الميلاد الأولى.
“تمنيتُ لو أن القدر أمهلني أسبوعاً، أو عجل بالبشرى أسبوعاً”، هكذا لخصت الزوجة الصابرة المشهد، وهي التي لم تكتفِ بالصبر، بل دفعت زوجها دفعاً لتمثيل بلاده أمام الرئيس، معتذرةً بلسان المحب عن غيابها القسري.
مفارقات الغياب.. من “العقد” إلى “المهد”
ليست هذه المرة الأولى التي يروض فيها عبد الرحمن مشاعره من أجل الغايات الكبرى؛ فذاكرة الرجل محتشدة بالغيابات النبيلة. هو الذي لم يحضر “عقد قرانه” في الخرطوم، تاركاً لوالده شرف الوكالة، ها هو اليوم يقف على عتبة تكرار السيناريو؛ يترك المهد ليصافح الرئيس، ويستبدل القلق على وليده بالحديث عن “الاكتفاء الذاتي” ومستقبل السودان الأخضر.
بالنسبة لمصطفى، الزراعة ليست مجرد تخصص في “علم الحبوب”، بل هي الرهان الذي يربط الصناعة والنفط بجذور الأرض. يرى في عينيه سوداناً يكتفي ذاتياً خلال عقد من الزمان، ويرى في زيارة نميري لمانهاتن (كنساس) جسراً ينقل خبرات السهول الأمريكية إلى حواشير النيل.
الخطة الأخيرة: الواحدة ظهراً هي الفصل
وضع عبد الرحمن جدولاً زمنياً صارماً لمشاعره: سيبقى مرابطاً عند وسادة زوجته حتى الواحدة من ظهر الجمعة، يراقب الأنفاس ويهدئ الروع، ثم يرتدي وشاح “العالم الوطني” ليستقبل الرئيس، ويشرح له كيف يمكن لبروتينات الصويا أن تبني أجساد أطفال السودان، تماماً كما يبني هو اليوم آماله في طفله القادم.
وعندما سُئل عن أمنيته في جنس المولود، أجاب بوقار العلماء وتواضع الآباء: “إنه الأول.. والبدايات دائماً مباركة، لا مفاضلة فيها”.
هكذا، وبينما كانت مطابع “مانهاتن ميركوري” تسجل القصة، كان عبد الرحمن مصطفى يكتب فصلاً فريداً في كتاب “السودان المغترب”؛ فصلٌ يثبت فيه أن حب الأوطان، كحب الأبناء، يحتاج إلى قلبٍ يتسع للجميع، وقدمٍ راسخة في الأرض مهما اشتدت العواصف.











