آراء ومقالات

لمياء متوكل تكتب: القائد الخادم

عند الدقيقة السابعة عشرة بعد بداية برنامج (استراحة الظهيرة) الذي يُبث على الهواء مباشرة بإذاعة أم درمان، وصل السيد الوزير (أحمد بابكر نهار)، وزير التربية والتعليم، مهرولًا لدخول الاستديو للاستضافة. حينها أُذيع الفاصل الإخباري، ثم فاصل الإعلانات، ثم أغنية، وكان طاقم البرنامج بقيادة المخرج الإذاعي الألمعي (أسامة حسن الشريف) – متعه الله بموفور الصحة ودوامها – على أتم الاستعداد للبرنامج، لكن السيد الوزير لم يأتِ. هنا أشار المخرج (أسامة حسن الشريف) إلى الاعتذار عن تأخير الوزير باسمه للمستمعين، وتم بث برنامج آخر مسجل.

أصرّ الوزير، غاضبًا، على الاستضافة، فاعتُذر له عن التأخير. ذهب السيد (نهار) غاضبًا إلى مدير الإذاعة الأستاذ (عوض جادين) – متعه الله بالصحة والعافية – ليشكو المخرج، فإذا بأستاذنا عوض يستدعي (أسامة حسن الشريف) ويقوم بتكريمه أمام الوزير، لأن تصرفه سليم مائة بالمائة، ولأن الوزير لم يحترم الوقت ولا المستمعين ولا الطاقم الإعلامي؛ فالوقت سيد الموقف في الإذاعة.

غادر الوزير بعد أن عجز عن استخدام سلطته لتفعيل إجراءٍ ثأري ضد موظف حكومي أدى دوره كاملًا، وقد أخذ درسًا في تفويض السلطات واتخاذ القرارات الحاسمة من قائدٍ خادم، انتمى للمؤسسة ولموظفيها، وأخذ وعدًا للاستضافة في يوم آخر.

كان لهذه الحادثة أثرٌ كبيرٌ وعميقٌ لدى أهل الإذاعة، وبقي الموقف حيًّا فينا كإعلاميين لمديرٍ عرف وأجاد إدارته، محترمًا قيمة العمل والموظفين واحترام الوقت، ومتخذًا قرارًا لبناء الثقة والنزاهة.

تابعتُ، كغيري، حادثة عضوة مجلس السيادة السيدة الدكتورة (سلمى عبد الجبار) مع موظف الأراضي (آيات المأذون)، وتسلطها الغريب وإصرارها على فصل موظف قام بدوره كاملًا بوجهٍ واحترام، والآراء المتباينة حولها؛ فمنهم من وقف ضدها أو معها. والمضحك والغريب أن عددًا من الإعلاميين والصحافيين انحازوا معها متعاطفين بتبريرات غير مقنعة، ولن تنطلي على السودانيين، بدلًا من أن ينحازوا لمهنتهم التي قوامها تمليك وكشف المعلومات وخلق الرأي. في وقتٍ نحتاج فيه إلى قادةٍ أخلاقيين وقيادةٍ استراتيجيةٍ قادرة على كشف الانحرافات، وحماية المُبلّغين عن الفساد، وتطبيق نظم عقابٍ وثوابٍ عادلة لضمان استدامة المؤسسات وكفّ نهش لحم الدولة بالفساد والمحسوبية؛ ولكن هيهات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى