آراء ومقالات

رانيا عمر تكتب : معسكر على الحدود الأثيوبية: من يُدرّب من في حرب السودان؟

*كشف تقرير حديث لوكالة رويترز، استناداً إلى صور أقمار صناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود معسكر عسكري في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، يُعتقد أنه يُستخدم لتدريب مقاتلين مرتبطين بقوات الدعم السريع. يكتسب الموقع القريب من الحدود السودانية أهمية استراتيجية بالغة، لا سيما في ظل استمرار المواجهات المسلحة منذ أبريل 2023.*

*تشير التقارير إلى توسع ملحوظ في المعسكر منذ أكتوبر الماضي، شمل إنشاء مبانٍ ثابتة وخيام ومرافق لوجستية متكاملة. يُقدَّر عدد المتدربين بحوالي 4300 شخص مطلع يناير، مع احتمالية ارتفاع هذا العدد إلى عشرة آلاف من جنسيات مختلفة، بينهم سودانيون وإثيوبيون وجنوب سودانيون. هذا الحجم الكبير والتنظيم اللافت يتجاوزان نطاق “تدريب عابر”، ويشيران إلى خطة أوسع وأعمق أبعاداً.*

نفي رسمي وصمت مريب

*في مقابل هذه المعطيات الميدانية، لم تصدر بيانات رسمية تكشف طبيعة النشاطات داخل المعسكر. نفت وزارة الخارجية الإماراتية أي تورط في العمليات، مؤكدةً دعمها للحل السياسي. أما الحكومة الإثيوبية، فصمتها الرسمي يثير من علامات الاستفهام ما لا يقل عن تصريح صريح، خصوصاً أن موقع المعسكر على أراضيها يجعلها طرفاً لا يمكن إغفاله في هذه المعادلة. هذا الصمت يطرح سؤالاً مباشراً: هل ثمة تواطؤ صامت، أم حسابات إقليمية غير معلنة تُدار بعيداً عن الأضواء؟*

تحركات موازية في مطار أصوصا

*وفي السياق الجغرافي ذاته، أظهرت صور الأقمار الصناعية أعمال توسعة ملموسة في مطار أصوصا القريب، شملت إنشاء حظائر جديدة وساحات مستحدثة. يرى مراقبون أن هذا التحرك قد يستهدف تعزيز القدرات اللوجستية وتأمين الحدود، غير أن تزامنه الموضعي والزمني مع المعسكر يصعّب قبول تفسيرات بريئة. التساؤل المطروح بإلحاح: هل تجري استعدادات لتدخل عسكري أوسع، أم أن صراع النفوذ الإقليمي بدأ يأخذ ملامح مؤسسية صامتة؟*

من الداخل إلى الإقليم

*يقود كل ما سبق إلى السؤال المحوري: هل تظل حرب السودان صراعاً داخلياً محدوداً، أم أنها تتجه بخطى واثقة نحو أبعاد إقليمية لا تحتمل التأخير في التعامل معها؟ أي وجود عسكري منظم على مقربة من حدود دولة تشهد حرباً يحمل في طياته احتمالات التصعيد، وإن كانت المواجهة الإقليمية المفتوحة لا تزال تنتظر إشارات رسمية قوية. بيد أن المؤشرات غير المباشرة باتت صاخبة بما يكفي للقلق ولاستنفار الجهد الدبلوماسي.*

الخطر الذي لا يُرى

*الخطر الحقيقي قد لا يكمن في التدخل العسكري المباشر الذي يسهل رصده ومواجهته، بل في ذلك الدعم غير المرئي: اللوجستيات، والتسهيلات، والمساحات الخلفية الآمنة. هذا التدخل الخفي يعمل بمنطق الجمر تحت الرماد — لا يُرى لكنه يتمدد — ويُطيل أمد الحرب، ويُعقّد مسارات التسوية السياسية، ويحوّل الصراع تدريجياً من أزمة داخلية إلى حرب نفوذ إقليمية خفية لكنها شديدة الأثر.*

مفترق الطرق الحاسم

*يقف السودان اليوم عند لحظة فارقة لا تحتمل المراوحة في المكان. استمرار الحرب داخلياً يُمهّد الطريق لتدخلات إقليمية متعددة الدوافع، سواء لحماية مصالح مباشرة أو لموازنة نفوذ متنامٍ. ومع الأزمة الإنسانية المتفاقمة يوماً بعد يوم، فإن أي تصعيد إضافي لن يهدد السودان وحده، بل سيزلزل أسس الاستقرار الإقليمي في منطقة تشكو أصلاً من هشاشة بنيوية عميقة.*

*الحروب لا تنفجر فجأة، بل تتمدد بصمت عبر مساحات رمادية يصعب احتواؤها. وما نشهده اليوم على الحدود الإثيوبية السودانية ليس مجرد تدريب عسكري عابر، بل ربما يكون الفصل الأول من فصول أزمة إقليمية يجب إطفاؤها قبل أن تتحول إلى واقع لا تُجدي معه الندامة.*

*الموقف يتطلب الآن شفافية من جميع الأطراف، ودبلوماسية جادة لا تكتفي بالبيانات، بل تترجم نفسها إلى ضغط فعلي يمنع الانزلاق نحو الهاوية.*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى