السودان: هندسة الفناء وجيل «أحكام الإعدام»
تحليل إخباري - بهاء الدين عيسى
بينما ينشغل العالم بملفات جيوسياسية كبرى، ينزلق السودان نحو قاع “أكبر كارثة إنسانية في العالم”. لم تعد المأساة مجرد صراع عسكري، بل تحولت إلى حرب استنزاف وجودي تستهدف 33.7 مليون شخص يحتاجون لمساعدات عاجلة، حيث يقع الأطفال—الذين يمثلون نصف هذا العدد—في قلب محرقة إنسانية يصفها المسؤولون بـ “غض الطرف” الدولي المتعمد.

بؤرة البؤس العالمي
وفقاً لإفادة ريكاردو بيريس، المتحدث باسم اليونيسيف، في مؤتمر جنيف المنعقد يوم الثلاثاء، يواجه أطفال السودان خطراً داهماً يتمثل في احتمال إصابة 825 ألف طفل بالهزال الشديد خلال هذا العام. ويشير الواقع السياسي إلى أن هذا الوضع ليس صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لـ “تسييس المساعدات” واستخدام الحصار الاقتصادي كأداة ضغط، مما جعل الطفولة السودانية رهينة لقرارات عسكرية متعنتة.

بيئة معادية للبقاء
حذر المتحدث باسم اليونيسيف من أن شح التمويل وتلوث مياه الشرب حوّل الأمراض البسيطة إلى “أحكام إعدام” فورية. هذا العجز اللوجستي، بالتوازي مع خروج أكثر من 70% من المرافق الصحية عن الخدمة، حوّل البيئة المحيطة بالطفل إلى فخ فتاك، حيث يُحرم الصغار من التطعيمات الأساسية والرعاية الأولية في ظل استمرار المعارك.
حقيقة المجاعة المؤكدة
بناءً على بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC) الصادرة يوم الجمعة الماضي، انتقلت المجاعة في مناطق مثل “أم برو” و”كرنوي” من خانة التوقعات إلى “الحقيقة المؤكدة”.

إصابة أكثر من نصف الأطفال في شمال دارفور بسوء التغذية الحاد تعكس استخدام “سلاح الجوع” كأداة لتفكيك الحواضن الاجتماعية، مما يهدد بتغيير ديموغرافي قسري تقوده الحاجة البيولوجية للبقاء.
المستشفيات تحت الحصار
أفاد شبل صهباني، ممثل منظمة الصحة العالمية، بتوثيق 205 هجمات على القطاع الصحي، أسفرت عن مقتل 1924 شخصاً. إن دموية هذه الهجمات تصاعدت بشكل مرعب؛ فبينما قُتل 1620 شخصاً في عام 2025، سقط 66 قتيلاً في أول 40 يوماً فقط من العام الحالي (2026). هذا الاستهداف الممنهج يهدف لتحطيم الروح المعنوية وإجبار المدنيين على الفرار القسري.
سباق ضد العدم
لخص المسؤولون الأمميون المشهد بأن “الوقت ينفد”، خاصة مع اشتداد القتال في كردفان. ويؤكد الواقع الميداني أن كل جهود الإغاثة ستظل “قطرة في بحر” ما لم يُمارس ضغط دولي حقيقي لفرض هدنة ملزمة، لإنقاذ الأطفال (بين 6 أشهر و5 سنوات) من فناء محقق ناتج عن انسداد الأفق السياسي وتلاشي التمويل الإنساني.
الأمل من قلب الركام
إن أطفال السودان، الذين يقفون اليوم في مواجهة هذه “الأحكام بالإعدام”، ليسوا مجرد أرقام في تقارير المنظمات، بل هم البقية الباقية من هوية وطن يُراد له الانمحاء. إن استعادة حقهم في الحياة ليست مجرد مهمة إغاثية، بل هي معركة استعادة “الإنسانية” في وجه التوحش.

وإذا كان الوقت ينفد، فإن الإرادة السودانية المسنودة بضمير عالمي حي لا تزال قادرة على تحويل “قطرة البحر” إلى طوفان من الأمل يغسل أوجاع الصغار. إن إنقاذ طفل واحد في دارفور أو الخرطوم هو انتصار للمستقبل على العدم، وتذكير بأن “غض الطرف” قد يُعمي البصر، لكنه لن يطمس شمس السودان التي ستشرق حتماً بأيدي جيله القادم.











