آراء ومقالات

خالد البلولة يكتب : طاحونة الأمين ود طه في فيلم أبواب الريح

في نهاية تسعينات القرن الماضي، عملتُ متعاونًا بالتلفزيون القومي في إدارة الإنتاج البرامجي. في تلك الأيام، أبلغني أحد الزملاء بإدارة الإنتاج بأن مخرج فيلم أبواب الريح بصدد تصوير عدد من مشاهده في قريتنا «النوبة»، ويستأذن في استضافة فريق العمل واقتراح بعض مواقع التصوير ليتمّت معاينتها لاحقًا وفق رؤية المخرج.

كتب الفيلم الأستاذ أنس عبد المحمود، وهو من قرية الباقير، ودرس بمدرسة النوبة الثانوية، وأخرج الفيلم الأستاذ عبادي محجوب، وساعده في الإخراج أبو بكر الهادي. شارك في تلك المشاهد عدد من الممثلين، منهم يس عبد القادر، سامية بت العرب، عبد الله الميري، ريا سعيد، وآخرون.

(٢)

تم تصوير عدة مشاهد، منها مشهد في أرض زراعية بمحاذاة النيل الأزرق، وآخر داخل بيتنا (يجمع بين سامية بت العرب وبعض زميلاتها)، ومشهد ثالث في طاحونة الأمين ود طه، يجمع بين عبد الله الميري وآخرين، ويظهر كمال الأمين يشرف على الطاحونة في لقطة مكتملة التفاصيل.

أما المشهد الأكثر تأثيرًا وإثارة للدهشة، فكان في بيت حسنة بت أب دقن. يظهر فيه يس عبد القادر وهو يحتضر (ضمن سياق الفيلم)، وإلى جواره ريا سعيد. أدّى يس الدور بإبداع لافت، جسّد لحظة الاحتضار بصدقٍ مذهل، حتى بدا المشهد حقيقيًا إلى حد الإرباك. حاولت الممثلة ريا سعيد أكثر من مرة استدعاء الحالة الشعورية المطلوبة، ثم فجأة تذكّرت مشهدًا شخصيًا بالغ الحزن والألم، فانفجرت بالبكاء… بكاءً حقيقيًا صافيًا لا تشوبه صنعة التمثيل.

هنا تجاوزت الدراما حدود الكاميرا.

صدّق من كان يتابع التصوير أن يس عبد القادر قد توفي فعلًا، فدخلت نسوة البيت لمواساة ريا، باعتبارها زوجته أو قريبته، في مشهد لم يكن مكتوبًا في السيناريو، لكنه كُتب في الذاكرة. كانت دراما واقعية، تفرد فيها يس وأبدع في الأداء التمثيلي. ولا أذكر كيف تصرّف المخرج في تلك اللحظة، وكيف أعاد المشهد إلى سكته الفنية بعد أن خرج عن السيطرة الإنسانية.

(٣)

كان فريق العمل متكاملًا: مصورون (سيف الدولة حسين منق وهيثم حسب الرسول)، فنيو إضاءة، (عبد المنعم حسين)، صوت، وممثلون. وقد جرى توزيعهم على بيوت الأهالي في القرية، حيث تمت ضيافتهم كما يفعل أهل القرى في كل السودان: بالترحاب والكرم وفتح البيوت والقلوب. كان حدثًا فريدًا في ذاكرة القرية، وأشرف على الضيافة الأستاذ عثمان عبد الصادق، أمين اللجنة الشعبية آنذاك.

لم يكن ذلك مجرد تصوير فيلم… بل كان لحظة التقى فيها أهل الدراما بالناس، ووثّقت كاميرا الدراما بعض ملامح قريتنا «النوبة». وتشرفنا بالزيارة، وشهد التصوير الأستاذ أنس عبد المحمود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى