بهاء الدين عيسى يكتب: العودة إلى الحظيرة: هل كسر البرهان طوق العزلة الدبلوماسية؟

بناءً على التطورات الأخيرة في جيبوتي، يُشكل قرار عودة السودان لمنظمة “إيقاد” (IGAD) انعطافة ديبلوماسية حادة، تتجاوز مجرد استعادة مقعد إقليمي لتصل إلى محاولة إعادة تعريف “الشرعية” الدولية للسلطة القائمة في بورتسودان. هذه العودة، التي جاءت بعد عامين من “الطلاق المرير”، ليست مجرد إجراء بروتوكولي، بل هي مناورة جيوسياسية تهدف إلى انتزاع اعتراف إقليمي في وقت تشتعل فيه الأرض تحت أقدام الجميع.

لقد كان المحرك الأساسي لهذا التحول هو التغير الجوهري في لغة المنظمة؛ فبعد أن كانت “إيقاد” تُتهم من قِبل الجيش السوداني بالانحياز، جاء بيانها الأخير ليدين انتهاكات قوات الدعم السريع ويدعم سيادة مؤسسات الدولة القائمة. هذا التحول يمثل الثمن السياسي الذي قبضه الفريق أول عبد الفتاح البرهان مقابل العودة، مما يعزز موقفه كتمثيل وحيد وشرعي للدولة السودانية في المحافل الإقليمية، ويضعف الحجة الديبلوماسية لخصومه كطرف موازٍ للسلطة.
ومع ذلك، تبرز معضلة الشرعية عند مقارنة موقف “إيقاد” بموقف الاتحاد الأفريقي. تكمن الفجوة في أن “إيقاد” تعتمد في ميثاقها على “الواقعية السياسية” والمرونة، حيث لا يحتوي نظامها الأساسي على نصوص قاطعة توجب تجميد العضوية عند وقوع الانقلابات، بل تركز على التوافق الإقليمي كأداة لحل النزاعات. هذا التسامح الهيكلي هو ما سمح للسودان بالعودة عبر تفاهمات سياسية مباشرة مع رئاسة الدورة الحالية في جيبوتي، وتجاوز غضب الماضي بضمانات ديبلوماسية جديدة.
في المقابل، يتبنى الاتحاد الأفريقي موقفاً قانونياً أكثر صلابة يستند إلى المادة 30 من ميثاقه، التي تفرض تعليقاً فورياً وتلقائياً لأي دولة تشهد تغييراً غير دستوري للحكم، كما حدث في أعقاب إنقلاب 25 أكتوبر 2021 ضد حكومة حمدوك المدنية. إن الاتحاد الأفريقي لا يسمح برفع هذا التعليق إلا بحدوث اختراق حقيقي في العودة للمسار الانتقالي؛ مما يجعل اعتراف “إيقاد” بالبرهان مجرد خطوة إقليمية مهمة، لكنها لا تمنحه بالضرورة مفتاح العودة التلقائية لمقعد أديس أبابا.

في نهاية المطاف، يبدو أن البرهان قد وجد ضالته جزئياً عبر فرض “شرعية الضرورة”. فبالإضافة إلى المكاسب الميدانية، تُرسل هذه العودة إشارة واضحة للقوى الدولية بأن حكومة الأمر الواقع هي العنوان الوحيد المتاح حالياً للتفاوض الرسمي. ورغم أن الطريق نحو الاتحاد الأفريقي لا يزال وعراً ومحكوماً بضوابط دستورية صارمة، إلا أن عودة السودان لـ “إيقاد” تخلق واقعاً جديداً قد يُجبر القارة الأفريقية مستقبلاً على تليين مواقفها القانونية تحت وطأة الحاجة الماسة لإنهاء النزاع وحفظ التماسك الإقليمي.




