حديث المدينة - عثمان ميرغني يكتب : البحث عن محامي..
في مسلسل درامي عربي قديم، أتذكر مشهداً طريفاً: رجل في البيت يتحدث مع زوجته، وعندما طرق الباب من يحمل إنذاراً قانونياً يتطلب سرعة الاستجابة ومواجهته، قال الرجل لزوجته: «من بكرة الصبح أدور على محامي شاطر يتولى الموضوع». قاطعته زوجته بسرعة: «يا راجل، انت نسيت إنك انت محامي؟» فاستدرك سريعاً: «أيوه والله، فكرتيني، أنا محامي».
أمس، في تدوينة للأستاذ بابكر فيصل – رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي وسكرتير العلاقات الخارجية بتحالف «صمود» – قال: «إن توقيع الهدنة الإنسانية وعدم ربطها بالعملية السياسية مباشرة يُعدّ من أكبر المخاطر التي ستواجه البلاد».
في التو ارتسم في ذهني السؤال ذاته المستوحى من المسلسل العربي: المحامي الذي نسي نفسه وصار يبحث عن محامٍ. أو سؤال العقيد معمر القذافي في آخر فصول حكمه الطويل عندما كان يصرخ: «من أنتم؟».
الواقع أن المنطق يفترض أن المسؤول الأول عن أية عملية سياسية في البلاد هو القطاع السياسي السوداني، ويضم أحزاباً منفردة وتحالفات ومنظمات متباينة تمثل الطيف السياسي الذي عليه أن يحمل عبء هذه العملية السياسية.
لكن تدوينة فيصل هنا تحيل الفعل إلى جهة أخرى، يُفهم ضمناً أنها الآلية الدولية الرباعية التي تشرف حالياً على جهود طي ملف الحرب في السودان وتفكيك الأزمة السياسية لاستعادة هياكل الدولة.
الرباعية أو غيرها قد تستطيع اقتياد الحصان إلى النهر، لكنها لن تقدر على إجباره على شرب الماء. الإرادة السودانية الداخلية إن لم تتوفر فلن تفلح رجاءات العالم ولا حتى جيوش الناتو في فرض عملية سياسية «ناجحة» في السودان.
يصبح السؤال: لماذا وجّه بابكر فيصل مثل هذا الطلب إلى «من يهمه الأمر» خارجياً؟
الإجابة هي ذات ما ظللت أكرره، وإن أثار غضب البعض ممن يصرخون بلا ألم، إلا ألم الخوف من هدم معبد المسلمات الحتمية.
الأحزاب والساسة في السودان عموماً تنقصهم القدرة على الفعل، مصابون بمتلازمة العوز المناعي ضد الحلول. ويقتصر جهدهم في الاستجابة لمبادرات وزيارات وورش عمل تدعو إليها جهات تنظمها وتمولها.
المشهد العام سياسياً: أحزاب داخل الوطن وأخرى في المهجر، والقاسم المشترك بينها انتظار مسيح يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، ويعيدها إلى كرسي الحكم.
أي حديث عن «عملية سياسية» تحمل فيها جهات أخرى الأحزاب صحبة راكب لتضمها في الحكم، يعني إشهاداً تاريخياً بأن الأحزاب والساسة الذين راكموا الفشل منذ فجر الحكم الوطني سنة 1954 لم يتعلموا ولم يتغيروا.
والسودان في حاجة ماسة إلى معادلة جديدة تحقق مطلبين مهمين: الاستقرار السياسي، والنهضة التنموية.
الاستقرار السياسي فيه مطلوبات +18 صريحة يجب الآن أن تُقال جهراً.
أما النهضة التنموية فأول عتباتها فصل السياسة عن الإدارة.





