مصعب رشاش يكتب : ما بين العشق الممنوع و الفضاء المفتوح
Rushash72@gmail.com
الآن بات المسلسل التركي أو الهندي المدبلج هو الشغل الأساسي لمعظم عائلاتنا و أسرنا . ساعات طويلة من اليوم تنفقها النساء و الفتيات بشكل خاص و حتى الأطفال في متابعة المسلسلات التي قد تمتد حلقات الواحد منها لثلاثة و أربعة شهور .
هل سألنا أنفسنا عن مدى جودة و صلاحية المحتوى الذي تقدمه تلك العروض و مردودها الثقافي و النفسي و السلوكي على نسائنا و بناتنا و أطفالنا و المجتمع كله ؟ . الأمر ليس مجرد تسلية أو ضرب من ضروب الترفيه . و إنما الأمر أكثر تعقيداً مما نتصور و هو يستوجب المناقشة و الدراسة و التحليل . و حتى إن لم يكن لها مردود سلبي فمجرد انفاق ساعات طويلة و ثمينة كل يوم من العمر على هذه العروض يعتبر إدمان و إهدار لوقت كان يجب استخدامه في أي موضوع آخر مفيد .
محتوى تلك المسلسلات في العادة يتناول موضوعات محددة . إنها تستهدف العلاقة بين الجنسين بشكل أساسي . تتناول العلاقات الرومانسية , الغيرة , الخيانة , الغدر و الانتقام . و هي لا تقدم الحب في إطار محترم يتسق مع القيم و العقيدة الدينية و الأخلاق الرفيعة . و إنما تقدم أنساق من العلاقات الرومانسية الفاسدة المبتذلة و الرخيصة و اللا أخلاقية . شاب يغرم بزوجة عمه و ينخرط معها في علاقة حب عنيفة . زوجة تقيم علاقة خارج إطار الزواج مع رب أسرة أكبر منها بسنوات كثيرة . حتى عناوين الأعمال نفسها تنبئ عن لا أخلاقية المحتوى . التفاح الحرام , العشق الممنوع , حب أعمى و سنوات الضياع .
الأمر لا يستهدف مجرد التسلية و الترفيه كما ذكرنا . و إنما يتعلق بغزو ثقافي و تدمير أخلاقي سلس و ناعم . السيناريو و الإخراج و الحبكة الشيطانية تجعل المشاهد يتعاطف مع العاشقين خارج إطار العقيدة و الأخلاق الفاضلة . و بعد حين ستصبح موضة الأزياء التي نراها في المسلسلات أمراً عادياً عندما نراها في شوراع مدننا و قرانا . فالتكرار يصنع التعود و التطبيع مما يقود لاحقاً إلى التنافس في التقليد . الملابس النسائية الضيقة و القصيرة إلى ما فوق الركبتين , الصدور و النحور و الأعناق و الأكتاف و الظهور العارية كلها مظاهر بدأنا نراها بالفعل في مناسباتنا و أخذنا نتقبلها شيئاً فشيئاً .
التعرض الطويل و المستمر لمثل ذلك المحتوى سيجعل ممارسة أخلاق الخيانة و العري و الملامسة و العناق و التقبيل و العلاقات المحرمة أمر مقبول على المستوى الاجتماعي الوطني في المدى الطويل .
المسسلات تقدم موضوعات و أحداث تجري في بيئات ترف و رفاهية و مجتمعات ترفل في الثراء و النعيم . قصور و فلل و سيارات فارهة و مجوهرات و أزياء فاخرة و فنادق و منتجعات و أندية لهو و شراب في منتهى الترف . بيئة أبعد ما تكون عن بيئتنا الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية . و هذا ما يخلق حالة من الوهم و الفصام المزمن في نفوس العائلات . واقع بائس و كئيب يعيشه الناس حقيقة في مقابل ترف و نعيم يعيشه الناس في الخيال .
سيصير المجتمع إلى حالة من الفراغ القيمي و الإستخفاف بقيمة الوقت و إهداره فيما لا ينفع النفس و الناس . و تنتشر مظاهر الترف المزيف , الاستعراض , التفاخر و المباهاة و التصنع . و مثلما بتنا نرى في الواقع الآن بدأ المجتمع يدمن اصطناع مناسبات الفرح و الحفلات الصاخبة و الاحتفالات في أمور لا تستأهل ذلك . و إنما تقام من أجل ممارسة الاستعراض و المنافسة و الخلاعة و التفاخر و ( الفشر ) . طقوس و أزياء و غناء و رقصات و إيقاعات و أهازيج غريبة و مرعبة و صاخبة شيعت ثقافتنا و تقاليدنا و موروثنا الأصيل إلى مثوى النسيان .
و الأمر الأكثر خطورة سيقع على الأخلاق . سيجد المجتمع أنه يتعايش مع واقع أخلاقي مزدوج . سيعيش المجتمع الحالة التي يسميها الدكتور ( محمد جابر الأنصاري ) إزدواجية أخلاقية العلن و أخلاقية الخفاء . أخلاقية العلن و هي ما يعظمه و يروج له المجتمع من الأخلاق الفاضلة الداعمة للقيم الرفيعة في العلن بينما يدين الناس في الواقع بأخلاق الخفاء التي تتعارض مع القيم الرفيعة و المثل العليا .
ستستمر منابر المساجد و المناهج الدراسية و قنواتنا الفضائية في تقديم الوعظ و التوجيه و الإرشاد و لكن بلا جدوى أو أثر واضح . فهناك فرق كبير في قوة التأثير و الجذب و الأدوات و الأساليب المستخدمة في الترويج و الترغيب .
تركيا دولة تقع ضمن أكبر عشرين اقتصاد في العالم إذ يبلغ حجم اقتصادها 1.5 تريويلون دولار . دولة رائدة في مجال الزراعة حيث تقع في صدارة قائمة الدول المنتجة للتفاح , البرتقال , الطماطم و الخضراوت عموماً . دولة متقدمة في مجال صناعة الآليات الزراعية و المركبات العسكرية و غير ذلك كثير . و الاقتصاد الهندي يحتل المرتبة الرابعة عالمياً . و هي دولة نووية عظمى باتت عضو في نادي غزاة الفضاء و رواد التنكولوجيا المتقدمة و الصناعات الثقيلة .
غير أن المحتوى الذي تقدمه لنا الدولتان في الدراما محتوى فارغ و تافه . محتوى لا يجعلنا نتعلم أو نعرف كيف يعمل الهنود و الأتراك و كيف يدرسون و ماذا يدرسون . محتوى لا يقدم لنا الحياة الهندية و التركية الواقعية الجادة . و في الواقع نحن بحاجة إلى محتوى جاد يعلمنا كيف بنت الأمم دولها . محتوى يحكي قصة المثابرة , الكفاح , العمل و العلم . نحتاج إلى قصص حياة ملهمة ترتقي بالمفاهيم و الأفكار و الإرادة و تضع الناس في مسار المنافسة و التحدي و التقدم .
و تحقيق ذلك ممكن إذا توفرت الإرادة و الإدارة الواعية و البرامج الهدافة من قبل المؤسسات المعنية . فالفضاء ليس مفتوحاً على مصراعيه لغزو عقول الشعوب بما تريد و ما لا تريد . يمكن التحكم في نوعية و جودة المنصات و القنوات المسموح بها في الدولة . و مثلما تجري عملية حجب المواقع الإباحية في الإنترنيت يمكن التحكم في القنوات الفضائية و تحديد إمكانية الوصول إليها .
أول أمس وقف رئيس الوزراء الإسباني ليقول للمؤتمرين في القمة العالمية للحكومات بدبي بأنهم سيقومون بحظر وصول القصر دون السادسة عشر إلى وسائل التواصل الاجتماعي . و سيلزمون المنصات بتطيق أنظمة فعالة للتحقق من عمر المستخدمين . و ذلك نظراُ لأن المنصات تقدم محتوى من الإباحية , الإساءة , الإدمان , العنف و التلاعب مما يستوجب حمايتهم . و قال أنهم بصدد إصدار قوانين تقاضي المنصات و تحد من استخدامها من قبل القصر .
و كثير من الدول تعمل بكل ما أوتيت من علم و إرداة و وعي على حجب و إغلاق و مكافحة وسائل الميديا التي باتت تغرق الفضاء الإنساني و تؤثر على القيم و الأخلاق . فعلينا أن نأتي و نعمل رغم أننا متأخرون . يجب أن نعمل بجد لمكافحة هذا الزو الثقافي القاتل فلكم نحن أحوج ما نكون إلى وقتنا فيما يفيد . فقد فاتنا الكثير





