بورتسودان: ذاكرة الأسماء فوق خارطة الرمال

شبكة الخبر ـ منوعات
-ليست مجرد خطوط على خريطة التخطيط العمراني، بل هي حكايات صمود، وسخرية سياسية، وصدى لحروب عالمية. في مدينة بورتسودان، الميناء الرئيسي للبلاد، تحمل الأحياء أسماءً تبدو غريبة للوهلة الأولى، لكنها تختزل تاريخاً طويلاً من التحولات الاجتماعية والسياسية.
صرخة “طردونا” ومرارة “سلبونا”
يرتبط اسم حي “طردونا” بذاكرة النزوح القسري؛ فبعد أن كان سكانه يقطنون قلب المدينة، نُقلوا “ضد رغبتهم” إلى منطقة جنوب المنطقة الصناعية لإفساح المجال للمنشآت الرياضية، فأطلقوا على حيهم هذا الاسم توثيقاً لتلك اللحظة.
أما حي “سلبونا” في البر الشرقي، فيحكي قصة كفاح مالي؛ إذ اضطر الأهالي لبيع مصوغات نسائهم الذهبية لسداد قيمة الأرض عند تخطيطها. ورغم أن الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري حاول تغيير اسمه إلى “حي الحرية”، إلا أن الوجدان الشعبي تمسك بـ”سلبونا” كرمز للتضحية.
صدى الحروب واللغات الأجنبية
لم تكن المدينة معزولة عن أحداث العالم؛ فحي “ديم كوريا” نبتت ملامحه تزامناً مع حرب الكوريتين في الخمسينيات، بينما استعار حي “الترانسيت” اسمه من معسكرات الجيش البريطاني (Transit Camp) خلال الحرب العالمية الثانية. وفي ذات السياق التاريخي، يبرز حي “الأسكلة”، وهي مفردة إيطالية تعني “الميناء”، لتدلل على الموقع الاستراتيجي للحي بين المينائين الشمالي والأخضر.
هوية “البجا” وعفوية المكان
تتجلى لغة البجا (التبداوي) بوضوح في أسماء مثل “ترب هدل”، والتي تعني “النص المظلم” أو “التراب الأسود”، و**”سلالاب”** التي يرجح المؤرخون أنها تعني “البعيد”، حيث شُيد الحي قديماً في الأطراف النائية.
وحتى الحي الراقي المطل على الكورنيش لم يسلم من العفوية، فقد سُمي “خور كلاب” نتيجة تجمع الكلاب قديماً حول فضلات الأسماك عند الشاطئ، ليظل الاسم “شعبياً” بامتياز رغم فخامة الموقع. أما حي “فيليب”، فيقف شاهداً على التنوع العرقي، منسوباً للزعيم النوبي فيليب غبوش، ليؤكد أن بورتسودان كانت وما زالت بوتقة تنصهر فيها كافة مكونات المجتمع السوداني.











