حديث المدينة - عثمان ميرغني يكتب : حكاية بيع دم الشهداء
في هتافات الشوارع ضد بعض المسؤولين خلال الفترة الانتقالية، يتردد: «بكم.. بكم.. بعيتوا الدم»، أي: بأي سعر بعتم دماء الشهداء؟
وأمس الأول، في كلمة رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بمناسبة فك حصار عروس الجبال مدينة كادوقلي، قال: «لن نبيع دماء الشهداء».
العبارة سائدة في الأوساط السياسية منذ ثورة أكتوبر 1964، تربط دائمًا دماء الشهداء بالبيع.. تعبير عن الخيانة.
وبالنظر إلى تاريخ السودان المعاصر، فإن موكب الشهداء ممتد من أول معركة انتصر فيها القائد محمد أحمد المهدي في جزيرة أبا، مرورًا عبر التاريخ بمن سقطوا دفاعًا عن الدولة السودانية في كل مكان. وقد رأيتُ بنفسي مقابر الشهداء في إريتريا، بها أبطال سودانيون مسجلة أسماؤهم وتواريخ استشهادهم والمعارك التي سقطوا فيها.
ويمتد سجل الشرف بعد الاستقلال في مسلسل طويل من المعارك داخل وخارج السودان.. حتى نصل إلى يومنا هذا في حرب 15 أبريل 2023 التي لا تزال دماؤها تتقاطر على تراب السودان.
هذه المواكب الممتدة من الشهداء لم تكن على ضفتي نهر متقابلتين تجعلهم رهن لافتة تُعلَّق على قبورهم تحددها الجهة التي تصنفهم.. فيصبح البعض شهداء والآخرون خونة عند البعض.. بينما ينقلب الحال عند آخرين فيتبادل الشهداء والخونة المقاعد.
فيصبح الشهيد وهو ينظر من عليائه في حيرة من أمره.. تارة تبلغه هتافات التعظيم وأخرى شتائم التخوين.
والسبب في ذلك أننا نجعل للشهيد قضية جزئية تتعلق بالشعار السياسي الذي نرفعه.
من سقط في ثورة ديسمبر فهو شهيد الثورة، يعظِّمه من كان معها.. ويخونه من هم ضدها.
ومن سقط في حرب 15 أبريل فهو شهيد الجيش و«الكيزان» كما يقول البعض، فيعظِّمه من يرفعون اللافتة ويخونه من هم ضدها.
وكأني بالشهيد الوطني محكوم عليه باللافتة التي يرفعها أضداد السياسة فوق قبره.
وهنا يصبح «بيع» دم الشهيد مرتبطًا أيضًا باللافتة السياسية.. فالبيع يتحقق عندما ترضى لافتة سياسية بأمر قد يتماهى مع شعارات لافتة أخرى.
مثلاً: من مات شهيدًا في ثورة ديسمبر.. يصبح دمه في حكم المباع لو توصلت قيادات الثورة لاتفاق مع «الفلول» لوضع حد للاحتراب السياسي والاحتراق للبلاد.
ومن مات شهيدًا في حرب 15 أبريل يصبح دمه مباعًا لو توصلت الحكومة لاتفاق مع «صمود».
مثل هذا التوصيف – بكل أسف – يؤدي إلى بورصة شهداء.. يُرفع قميص الشهيد فوق الرايات لتحقيق أهداف سياسية ربما لم تكن في خاطر الشهيد عندما ضحى بدمه من أجل بلاده.
الشهداء كلهم.. من قدموا في تاريخنا المعاصر أرواحهم في سبيل وطن حر مستقل يمنح المواطن السوداني الكرامة والرفاهية.. بلا توصيفات سياسية ضيقة.
وبهذا الفهم، فإن تكريم الشهداء يكمن في بناء وطن حر مستقل يمنح المواطن السوداني الكرامة والرفاهية.. وليس في أي شعار سياسي يصب في سلال المكاسب والنقاط التي تجمعها الأحزاب.
الهدف الأعلى: بناء وطن حر مستقل يمنح المواطن السوداني الكرامة والرفاهية.





