فائز السليك يكتب : مع استاذي محمد جلال هاشم..أنصاف الحقائق «ذواهل»
تأخر ردي عليك استاذي وصديقي محمد جلال هاشم، نسبةً لظروف العمل ، ولو سألت اصدقاءنا المشتركين عن دوام العمل اثناء مناخات شتاء بلاد الصقيع، لالغيت تشكك حول مواقفي، ولتأكد لك أنني اكتب بضميري الذي تعرف ، وأشكرك على وصفه بأنه ( ضمير حي).
فمن ينتظر الكتابة بأمر جهة يفعل ذلك انطلافاً من فرضيتين، إما لموقفِ أيديلوجي، وأيمان عقدي، أو من اجل مقابل مادي مباشر.
وعندي تسقط الفرضيتين، فليس للدعم السريع ايدولوجيا ، او حتى شعارات تجعلني اتبنى رؤاه. أما إذا ما كانت مواقفي أتت
بسبب مكاسب مالية للزمت مسكني، وتمتعت بأجهزة الندفئة، وأمضيتْ الليالي مبتهجاً وفق ما اوفره لنفسي منها.
لكنني اكتب ما أؤمن بأنه الحقيقة حتى يتأكد لي خطأ ذلك؛ وتنبع فلسفتي من إيماني بنسبيةالحقيقة، وهذا ما تعلمناه منكم في مدرستنا، مؤتمر الطلاب المستقلين، حيث علمتونا، معها كذلك؛ استقلالية الرأي، الاعتداد بالذات، وجرأة المواقف.
وأعيد هنا رأي مثار الجدل، نعم فرحتُ بدخول مطار الخرطوم إلى الخدمة، فأنا لا ابحث عن انتصارات صغيرة، ولا اسعى للانتصار للنفس الشحيحة، بل احلم بأن تعود الحياة طبيعيةً في كل السودان، وأتمنى أن تعود الخطوط الجوية السودانية للعمل بطاقةِ جديدة، والتحليق في كل الفضاءات الفسيحة ، والهبوط فوق كافة مدارج المطارات العالمية.
لكن!. نعم لن تكتمل الفرحة إلا باسكات اصوات المدافع، واخراس ألسن دعاة الحرب والفتنة.
وكما قلت سابقاِ ستعود الحياة إلى طبيعتها بعودة اللاجئين والنازحين إلى مساكنهم، أن بعود المزارع لمزرعته، والتاجر إلى متجره، والطالب إلى مدرسته، وأن يشعر الجميع بالأمان بعد أن ترفرف أجنحة حمائم السلام، ( ومحل الطلقة عصفورة تحلق حول نافورة.
وكان السجن مستشفى ومكان المنفى كلية) ورحم الله الشريف محجوب، ومحمد وردي.
أما أسئلتك حول من الذي أجبر اكثر من ١٢ مليون سوداني وسودانية على الهروب، فأعيد واقول لك هي الحرب، ولو لا الحرب لما كان الهروب الجماعي في أزمنة النزوح، ومؤكد أن انتهاكات قوات الدعم السريع تسببت في زيادة أعداد الفارين.
وليس لدي شك يا أستاذي بأنك تدرك أن مع دوي أول انفجار سيتسرب الرعب داخل النفوس، وترتجف القلوب، وحين ذلك يفكر الانسان الطبيعي في البحث عن مسارات الخروج من دوائر الخطر، حذر القنابل والشظايا الساقطة من المدافع أو الطائرات.
والمؤكد أيضاً فأن بحث الإنسان سيكون عن مسارات تقوده إلى مساحات خالية من النزاعات.
وبديهياً أن اشير إلى أن الحروب تتسبب في تجفيف كل منابع الحياة، وقطع الشرايين المغذية لها بدأً بالكهرباء والمياه، والمخابز والمتاجر، وانتهاءَ بسيارات الاسعاف والمواصلات.
وحرب أبريل ليست استثناءً، فقد هرب ملايين من اشقائنا الجنوبيين قبل حقبِ من جحيم الحروب، وأنت خير من يحدثنا عن ذلك..
لم يكن الجيش الشعبي لتحرير السودان عدواً للجنوبيين، ولم تكن انتهاكاته بحجم انتهاكات قوات الدعم السريع، لكن كانت انتهاكات الجيش أكبر، وتعرف ما كان يحدث في جوبا والبيت الابيض، وما يدور في كهوف جبال النوبة، وكيف ياوي إليها الأطفال والنساء تفادياً للبراميل المعبأة بالموت.
ومع ذلك هرب الجنوبيون وسكان جبال النوبة والأنقسنا شمالاً ووصلوا حتى قلب المركز المتآمر عليهم، وتحولوا إلى هوامش داخل ذات المركز الإسلاموعروبي، مثلما تماهى بعضهم مع ثقافته المهيمنة، أو رضخ لميكانيزمات اعادة الإنتاج داخل الأيدلولوجيا الاسلاموعربية، كما آثر البعض أن يكون ديكوراً ترميزياً للتضليل.
وعبر مئات الآلاف من السودانيين خلال تلك الحروب الحدود الدولية إلى دول الجوار.
ثم! ثما ماذا؟
هل في امكاننا ننسيان حريق دارفور؟ المأساة، جرائم التطهير العرقي، الإبادة الجماعية. من كان وراء ذلك؟ اوليس هم الجنجويد في نسختهم الأولى ومليشيات الدفاع الشعبي؟؟ تحت إشراف من حدث ذلك الحريق الكبير ؟ ومن كان يقصف القرى؟ ومن يحرك سنابك الهمج؟ ومن كان يزودهم بالتاتشرات وبالوقود والمدافع؟.
يا أستاذي، لن ادافع عن جرائم الدعم السريع، وهذا ما ظللتُ اقوله خلال كل لقاءاتي في القنوات الفضائية، وفي كل كتاباتي، وهي مبذولة للجميع، وليت أي احد يأتيني بكتابة دافعت فيها عن تلك الجرائم، أو انكرت وقوعها؟.
لكن تعرف ما هي مشكلة داعمي الجيش معي؟
إن ما لا يحبه دعاة الحرب في مواقفي أنني لا انعامل مع الجرائم بمنهجِ انتقائي، أنا اقول إن الاسلاميين هم من اشعل نيران الحريق، أقول إن الجميع متورطون في سفك دماء الوطن. يريدونني أن اقول نصف الحقيقة، وانصاف الحقائق ( ذواهل)
و اقول عندما يترك المواطن داره بسبب القتال، يفكر الانسان المستطيع في الهروب،
نعم نزح البعض إلى مناطق تقع تحت سيطرة الجيش، هرباً من نيران الحرب، و هربوا كذلك من جحيم الجنجويد، من نهبهم وقمعهم وجرائمهم، مثلما هربوا بحثاً عن الخدمات كذلك.
رغم ذلك بقي ملايين آخرون لا يستطيعون الهروب لضيق ذات اليد، أو لضعف الحيلة، وهم بالمناسبة اكثر عدداً من الهاربين، كم يبلغ عدد سكان البلد المفجوع؟. تعايش كثيرون مجبرين مع الجنجويد، كما تحملوا العقاب الجماعي من سلطة الجيش..
نعم يا استاذي، لقد قطعوا الكهرباء والاتصالات ، حدث ذلك في كثير من الأحايين عمداً وعن سابق اصرار وترصد، ذات القادة الذين يلبسون جلود الحملان الوديعة، يتظاهرون بمظهر الضحايا، لقد انسحبوا وتركوا وراءهم ملايين الأبرياء، بل مارسوا عليهم الحصار والتجويع، ولا يزال.
استاذي ، اما عن بقية أسئلتك، فاقول لك إنني لن ادافع عن جرائم الدعم السريع؛ لا في الجزيرة وحدها، بل في كل المناطق التي دخلتها قواته، وتحمل اسئلتك حول ذلك اجوبتها.
اما سؤالك الرابع حول نظامية الدولة ومظاهرها، فهو موضوع بحث طويل، وسوف اترك له منشوراً منفصلاً باعتباره سؤالاً كبيرا، ويحتاج مساحات واسعة للتعريف بالمعاني والدلالات المفاهيمية والاجرائية.
مع مودتي وتقديري.






