مصعب رشاش يكتب : هل تدعم بنيتنا الثقافية قيمة العمل ؟
Rushash72@gmail.com
أصيب الكثيرون بالصدمة عندما انتشرت صور لناتاشا ابنة الرئيس ( باراك أوباما ) و هي تعمل في مطعم متواضع أثناء ولاية والدها الثانية في العام 2016 . عملت ناتاشا في خدمة الزبائن و تنظيم الطاولات و الكاشير في مطعم نانسيز بجزيرة فينارد بولاية ماساتشوستس .
في الواقع هناك اختلافات ثقافية عميقة ما انفكت توسع الهوة بين المجتمعات التقليدية المتأخرة و المجتمعات العصرية المتقدمة و تصنع فرقاً كبيراً في مستوى التقدم و التأخر بين الأمم سنتناول بعضها في ما يلي من سطور :
أولاً : تتربع قيمة العمل الآن على رأس هرم القيم التي تراهن عليها المجتمعات العصرية في سباقها نحو البناء و التقدم . و النخب و قادة المجتمعات يمثلون القدوة التي تتبنى مسؤولية تعظيم القيم و تتبعها العامة و تقلدها في ذلك . غير أن تعريف النخب المثالية يختلف ما بين المجتمعات التقليدية و المجتمعات الحديثة . فالمبتكرون و المخترعون و أصحاب قصص الكفاح و النجاح المثيرة و مطورو الأعمال و الأبطال الرياضيون و نجوم الأدب و الفن هم من يمثلون النخب و المثال الذي يحتذى في المجتمعات الحديثة . و هم غالباً من يوجهون الرأى العام .
أما في المجتمعات التقليدية فتتشكل النخب المثالية من السياسيين و زعماء القبائل و العشائر و رؤساء الطوائف و زعماء الجماعات الدينية . هؤلاء هم من يسيطرون على الفضاء الاجتماعي و يتولون قيادة المجتمع و تشكيل الرأي العام . بيد أن هؤلاء في الغالب يعيشون خارج نطاق المناخ الثقافي المواتي للتطور و المنافسة و لا يدينون بالقيم العصرية مثل قيمة العمل . فهذه النخب في الغالب بعيدة عن ميادين التنافس و الابداع و البذل و الإبتكار و هم لا يعملون . أو بشكل دقيق , نادراً ما تجدهم يعملون في مجالات الوظيفة العمومية و التنافس الحر و الحرف و المهن لأنهم يحصلون على وظائفهم الاجتماعية بالوراثة .
و هذا الخلل الهيكلي له دور كبير في تواضع قيمة العمل و احتلاله مرتبة متواضعة في سلم الإعتراف و الترقي الاجتماعي عندنا . و تلك البيئة السلطوية جعلت المجتمع , إن اضطر إلى ممارسة المهنة أو الوظيفة , فحينها يحاول توظيفها لتصبح أداة سلطوية و لا ينظر إليها بوصفها فرصة للإنجاز و الإنتاج و اثبات الذات . و لذلك تتحول الترقية أو التعيين في الوظائف المرموقة إلى مناسبة لإقامة الإحتفالات و دعوة الأهل و الأحباب و إقامة الولائم و ذبح الذبائح .
ثانياً : في مجتمعاتنا تكسب النخب التقليدية و السياسية عيشها و تتربح كثيراً من مكانتها الإجتماعية و من الامتيازات غير المحدودة التي توفرها لها الأنظمة الحاكمة و شبكات المصالح و النفوذ . و الأنظمة السياسية تمنحها تلك الامتيازات الممتدة لتوظفها في كسب تأييد القواعد بأسهل الطرق و ضمان ولائها بدون جهد كبير .
الوضع مختلف في الغرب و الشرق الأقصى الأكثر تقدماً . هم مثلنا و مثل كل المجتمعات الإنسانية الأخرى لديهم قادة طوائف و عشائر و زعماء روحيين من قديسين و نساك غير إنهم لا يتولون مهمة قيادة المجتمعات المدنية ولا السياسية و لا يتدخلون في شؤون السياسة و لا الإقتصاد . و إنما ينقطع النساك لممارسة شعائرهم و نسكهم و تقديم الموعظة لأتباعهم . و يحيون حياة زهد و تقشف و ليس لديهم طموحات سياسية أو مادية . و السياسيون هناك هم في الغالب مهنيون لديهم و ظائف و مهن حقيقية يعملون فيها . قد يتفرغون كلياً أو جزئيا حال انتخابهم في وظائف دستورية ثم سرعان ما يعودون إلى أعمالهم و وظائفهم الأساسية عندما تنتهي ولايتهم .
ثالثاً : بات العمل يمثل محطة مهمة في رحلة بناء الشخصية و تحقيق الذات و ذلك ما كانت تفعله ناتاشا أوباما . و كثير من بلدان العالم الأول تعتبر العامل بطلاً وطنياً و تمجده من خلال الأعمال الفنية و الأدبية . ففي الصين و سلوفاكيا و الولايات المتحدة الأمريكية توجد تماثيل و نصب لعامل النظافة . و في دول أخرى توجد نصب لعمال البريد و رجال الإطفاء و عدد من العمال في وظائف أخرى تأكيداُ لمكانة العامل و تقديراً لقيمة العمل . و أمس قام الرئيس الفرنسي ( ايمانويل ماكرون ) بتكريم بائع الصحف المتجول باكستاني الأصل ( علي اكبر ) بوصفه اخر بائع صحف جوال في باريس .
رابعاً : احتقار العمل و المفهوم السلطوي للوظيفة بشكل عام كلها عوامل جرفت قطار التعليم بعيداً عن مساره الطبيعي . تراجعت مكانة التعليم الفني و المهني و بات التركيز على التعليم الأكاديمي . و بات التعليم يرتبط بالمكانة الإجتماعية أكثر من ارتباطه بحاجة سوق العمل و خطط التنمية و التطوير . و لذلك امتلأت الطرقات بالشباب الذين يمارسون مهناُ و حرف غير راضين بها . حتى أنك إذا ما استعنت بسائق سيارة أجرة أو فني دهان أو سباكة أو كهرباء مثلاً فإنه يتحين الفرصة المناسبة ليخبرك بأنه في الواقع يحمل درجة علمية في تخصص ما و أن الظروف هي التي اضطرته لممارسة عمله الراهن .






