تقارير وتحقيقاتسلايدر

الوثيقة النادرة لخطاب اللورد كرومر في السودان عام 1903

وثائق – ترجمة نعوم شقير

النص

خطاب زيارة اللورد كرومر – يناير 1903

«وهذه أيها السادة زيارتي الثالثة للسودان بعد واقعة أم درمان، التي حدثت كما تذكرون منذ أقل من خمس سنوات. ففي زيارتي الأولى لم يكن أمل النجاح قويًّا؛ لأن البلاد كانت في خرابٍ محيق، سواء بسبب الأمراض أو المجاعات أو الحروب الداخلية والخارجية، حتى إن عدد السكان قد نقص أكثر من العُشر، ولم يكن لجرثومة التمدّن أثر فيها. فكان من الضروري إذًا إنشاء نظامٍ مالي وإداري مستكمل الشروط.

وفي زيارتي الثانية لاحت لي تباشير المساعي الأولية التي بذلتها الحكومة الجديدة لمقاومة الصعوبات الهائلة التي كانت تلاقيها، ولكن كان التقدّم -بحكم الضرورة- بطيئًا جدًا. أمّا الآن، عند زيارتي الثالثة، فأرى تقدّمًا عظيمًا في جميع الجهات، والبرهان على صدق هذا القول يلوح للأبصار ويستوقف الأسماع في كل ناحية؛ فإن دلائل زيادة الإيرادات جلية، والنفقات الآن تحت المراقبة الشديدة.

وقد نمت التجارة بعودة الأمن، فاليونانيون -وهم في مقدّمة الأمم التجارية، والذين يُقال عنهم أحيانًا أقوال قاسية مع أنهم إجمالًا عظيمو النفع- قد أنشؤوا متاجرهم في كل بلدة كبيرة. وبمساعي الكولونيل “فرند” والكولونيل “ستانتن” أصبحت الخرطوم مدينة جميلة منظّمة بعد أن كانت تلالًا دارسة. وكذلك انتظمت الملاحة في النيل بهِمّة المستر “بوند”، والمصلحة الطبية بمساعي الكولونيل “بُتقوق”، وانتشرت المعارف بعناية المستر “كري”. ويسعى المستر “بونهام كارتر” بالحكمة اللازمة في إدخال نظام بسيط للمواد المدنية والجنائية، حسبما تقتضيه أحوال البلاد.

وقد صعدتُ هذه المرة في النيل الأبيض حتى “كوندكرو” مع السردار، وزرتُ عدة مراكز عسكرية من غير موعدٍ سابق، فوجدتُ كل شيء فيها في غاية الترتيب والانتظام، كأنه قد أُعلِن لها من قبل أني آتٍ لمشاهدة أحوالها. أمّا أهالي تلك الجهات، فإنكم تعلمون أن التكلم بلغة الشلك أو الدينكا أو الباري شاق، ولكني حيثما التفتُّ رأيت دلائل الرضا والاطمئنان بادية على وجوههم؛ فقد علم هؤلاء المساكين أن الأجانب الذين يزورون بلادهم ليسوا من النخّاسين، بل من أشد المقاومين للنخاسة.

واسمحوا لي أن أُعرب لكم عمّا شملني من السرور عند زيارتي مركزي المرسلين: الأمريكيين على نهج “سبت”، والمرسلين النمساويين على النيل الأبيض؛ فالأول للإنجيليين، والثاني للروم الكاثوليك، ولا فرق عندي بين الفئتين، فكلتاهما قد أحسنت إدارة شؤونها كل الإحسان. غير أني أوافق جناب السير “ريجنالد ونجت بك” وسائر أصحاب السلطة المسؤولين في هذه البلاد على أن وقت السماح للمرسلين بالتبشير بين مسلمي السودان لم يزل بعيدًا، ولكن المساعي التي تُبذل بين القبائل الوثنية في المقاطعات الجنوبية تستحق كل ما يمكن من التشجيع والمساعدة.

ولكنني أعلم، أيها السادة، أننا مع كل هذا التقدم لم نزل في بداءة العمل؛ فالسودان يحتاج إلى زيادة عظيمة في السكان، والسكك الحديدية، والري، والموظفين الإنجليز للأمور القضائية والإجرائية، والمعلمين، والأهلية؛ بل إن السودان محتاج إلى كل شيء سوى الرمل والتماسيح و”العيسنت”، فإن ما فيه منها فوق الكفاية.

وواضح جليًّا أن كل هذه الاحتياجات الثمينة لا يمكن سدّها في آنٍ واحد. أمّا بشأن النفقات السنوية، فلا يمكن أن يُنتظر من الحكومة المصرية -أو بعبارة أخرى من المصريين الذين يدفعون الضرائب- أن يعملوا زيادةً عمّا يعملون الآن؛ فإنهم يدفعون إلى السودان سنويًا أكثر من ثلاثمائة وخمسين ألف جنيه، وقد آلوا على أنفسهم تقديم هذه الإعانة بلا نقص لمدةٍ معينة، لكي تُخصص الزيادة في إيرادات السودان للمشروعات السودانية. وقد دفعوا أكثر من نصف مليون جنيه للكولونيل “ماكولي” لتحسين السكك الحديدية الحالية، وسيُطلب منهم مبالغ باهظة للإنفاق على مهام أخرى كما سيأتي.

وعليه أرى من المهم أن نعلم ما هي الإصلاحات التي يجب أن نبدأ بها أولًا، وأظنكم توافقونني على أن أمامنا أمرين يستوجبان الإصلاح، وهما في الدرجة الأولى من الأهمية: الأول تحسين البلاد ماديًّا، والثاني أدبيًّا وعلميًّا.

أمّا بشأن الأول، فقد أيّدت لي زيارتي هذه أنه لا يمكن أن تتقدم البلاد تقدمًا ماديًّا سريعًا ما لم تكن المواصلات بين السودان والبحر المالح سهلة وسريعة؛ فإن المسافة الطويلة من هنا إلى الإسكندرية عقبة شاقة في سبيل التجارة. وهل يُرجى نجاح سريع لتجارة السودان وثمن الطن من الفحم الحجري في الخرطوم يتراوح بين أربعة جنيهات وستة؟ وربما يحسن أن أقول هنا -ولو أني لا أقول بملء الأمل- إنه يُرجى وجود الفحم الحجري جنوبي الخرطوم، فإن اكتشافًا كهذا لأثمن من اكتشاف الذهب؛ لأنه يغير مسألة ترقية السودان تغييرًا محسوسًا.

وأعود إلى ما كنت بصدده فأقول: إنني أعتبر مدّ خط حديدي إلى سواكن ضروريًّا جدًا لتقدم هذه البلاد، وهذا الخط يقتضي نحو مليونين ونصف مليون جنيه، ومن الصعب إيجاد مبلغ عظيم كهذا، ولكني أعدكم أنني عند عودتي إلى مصر سأبذل جهدي في تنفيذ هذا المشروع بأسرع ما يمكن، والعمل جارٍ الآن -كما تعلمون- في تخطيط الطريق، وقد أُنفِق مبلغ من المال لتحسين ميناء سواكن.

وأسمع أحيانًا أن هذا الخط الحديدي -على ما به من الفائدة للسودان- مضر بمصلحة مصر؛ لأنه يحوّل التجارة عن وادي النيل، ولكني لا أرى هذا الرأي لسببين: الأول أن من المهم جدًا لمصر أن يكون السودان قادرًا على القيام بنفقاته، وذلك لا يتم إلا بوجود طريق مناسب قليل النفقة لتصدير تجارته؛ والثاني أن المسألة الرئيسية ليست تحويل التجارة من مجراها الأصلي، بل إنشاء تجارة جديدة للبلاد، وهذه لا يُرجى لها نجاح يُذكر إلا بفتح طريق بين النيل والبحر الأحمر.

أمّا بشأن الأمر الثاني، وهو التعليم، فأقول إنه من الصعب جدًا حكم بلادٍ ما حقّ الحكم دون مساعدة إدارية من أهلها. والهيئة الحاكمة في السودان الآن أجنبية محضة؛ لأن المصريين -كما لا يخفى- أجانب كالإنجليز، وكلا الفريقين قائم بمهام عظيمة.

ومن الضروري جدًا بذل الجهد في إسناد الموظفين الإنجليز والمصريين بضم موظفين سودانيين إليهم كلما أُتيحت الفرصة، فالسودانيون أمة مجيدة، وكثيرون ممن يسمعون خطابي قد ساعدتهم الأحوال على تأييد هذه الحقيقة؛ ففيهم صفات هي أساس كل الصفات الوطنية، فهم أصحاب بأسٍ وشجاعة، ولكنهم -لسوء الحظ- أميّون جدًا، ولذلك فالعقبات التي تحيط بهم كثيرة شاقة.

وأضرب على ذلك مثالًا: الكل يعلم أن النظام المتبع في السجون بإعطاء علامات حسن السلوك مفيد جدًا، وقد طالعت في هذه الأثناء تقريرًا للكابتن “بورعن”، مفتش سجون السودان، قال فيه إنه لم يستطع إدخال هذا النظام في السجون السودانية؛ لأن السجّانين -على ما يتصفون به من صفات حميدة- يجهلون القراءة والكتابة.

ولست أشك أن حضرة السير “ريجنالد ونجت”، الذي لا يفي اللسان بمدح ما يأتيه من ضروب الإصلاح والتحسين في السودان، يبذل كل ما في وسعه لإيجاد فئة من السودانيين يمكنها، بعد قليل، أن تملأ الوظائف الصغرى في دوائر الحكومة. أمّا تعليم العلوم العالية فلم يحن وقته بعد، فإذا حصرنا اهتمامنا في تعليم القراءة والكتابة والحساب جنينا نتائج مرضية، وإني أصدق رأي المستر “كري” في عدم استصوابه الإلحاح في تعليم العلوم باللغة الإنجليزية.

وأخيرًا أقول لكم شيئًا يشجعكم على الاستمرار في عملكم الجيد دون فتور: لا تقنطوا إذا لم تحصلوا على كل ما ترومونه دفعة واحدة؛ ففي مدة خمسٍ وأربعين سنة قضيتها في السياسة كنت دائمًا أسعى إلى إتمام أغراض شديدة الحاجة إليها، ولكني لم أظفر إلا بالقليل منها. ومن الأمور التي أرومها للسودان -عدا سكة حديد سواكن- مد خط حديدي إلى كسلا، وإذا أمكن إلى حدود الحبشة، لا بقصد الوصول إلى مدينة “رأس البعيدة”، بل لفتح سوق تجارية لترويج حاصلات البلاد. ثم أريد استثمار الجزيرة، ومد خط حديدي إلى الأبيض لجلب صمغ كردفان إلى الخرطوم، وأريد إنشاء خزان أو خزانين على النيل الأزرق.

وأما “السدّ”، فإني أريد شقّه إربًا وإخراجه من تلك المستنقعات المملوءة بالبعوض والحشرات، وأن آتي بآلات تجرف الوحول الراسبة في قعره. وهنا أشكر همة الكولونيل “بيك”، والماجور “ماثيوز”، وغيرهما من الضباط الذين عانوا المشاق في فتح طريق للملاحة في السدّ؛ إذ لا يستطيع أحد أن يدرك ما تكبدوه من عناء إلا بزيارة تلك الجهة.

وأريد -عدا ما ذكر- أشياء يطول شرحها، ولكني أعلم أني لا أستطيع الحصول عليها كلها دفعة واحدة، وعليه فإني أكرر القول: لا تقنطوا. فقد كان الأمل بارتقاء مصر منذ مدة ليست بعيدة أظلم بكثير من الأمل بارتقاء السودان الآن، وكل ما تبغونه ستنالونه في وقته، فأنتم أهل للنجاح، وأنا واثق أن أمامكم في المستقبل نجاحًا أعظم من نجاحكم في الماضي.

وأخيرًا أشكر لحضراتكم صبركم على سماع خطابي هذا، وأثني من صميم فؤادي على سعادة السير “ريجنالد ونجت”، والليدي “ونجت”، وغيرهما، على ترحيبهم بي وإكرامهم إياي مدة زيارتي لهذه البلاد، وسأعود إلى مصر حافظًا لهذه الزيارة أطيب الذكرى.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى