حتى الآن – حيدر الفكي يكتب : عندما تكون المؤسسة تربوية أخلاقية
قبل أن تكون تعليمية أكاديمية
دكتور الشيخ أبو رنات
(مدارس نور الإيمان – أبو رنات)
يلعب التعليم دورًا كبيرًا في نهضة الأمم وتطورها، بينما تلعب التربية والأخلاق دورًا أهم في بناء الإنسان من حيث السلوك، وإرساء دعائم الفضيلة والعطاء. وهي تُعدّ سنام المجتمع، ولذلك تسبق التربيةُ التعليمَ في توصيف المؤسسة، فنقول – على سبيل المثال – وزارة التربية والتعليم، وليس العكس؛ لأن أساس التنشئة السليمة للأجيال يعتمد على التربية اعتمادًا كليًا.
ونحن أحوج ما نكون إلى نماذج مشرقة ومؤسسات تعليمية حقيقية رسالية، تبعث فينا روح الأمل بأن هذا الوطن الحبيب ما زال بخير، بعد أن تحولت كثير من المؤسسات التعليمية إلى مؤسسات تجارية ربحية إلى حدٍّ كبير، وأغفلت جوانب مهمة من دورها الرسالي في المساهمة بتأسيس دعائم المجتمع على أسس الأخلاق والتربية المجتمعية.
ومن دواعي تناولي لهذا الموضوع الحسّاس والمهم، قصة إنسانية حقيقية عايشتها وتأثرت بها كثيرًا، ووجدت من خلالها نافذة للضوء أسعدتني، وعرفت عبرها أن هناك أناسًا اختصهم الله بفعل الخير بكل تجرد، وبمنتهى الفهم الإنساني العميق. كانت بمثابة بارقة أمل بأننا ما زلنا بخير، رغم مرارة الواقع الأليم الذي خلفته الحرب وآثارها الكارثية على مجتمعنا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وعلى وجه الخصوص في بلاد المهجر، حيث يتضاعف الأسى من واقع الحرب والغربة أو المنفى. وهنا يكون الامتحان حقيقيًا وصعبًا، إلا لمن يمتلك ناصية الإنسانية وروح المبادرة والإحساس بالآخر. فطوبى ثم طوبى لمن يكون صاحب الاختصاص الرباني بهذا الفضل، وتلك الدرجة، وذاك التميز.
قبل أيام، عرفت أن هناك أسرة سودانية تعيش في القاهرة، كباقي الأسر التي قصدت أرض مصر بعد الحرب كهجرة قسرية. وغالبًا ما لا تكون هذه الأسر على استعداد أو ترتيب مسبق لأوضاعها، وإنما هو التوكل على الله، ونِعمَ به من توكل. هذه الأسرة يعاني ربّها من مشاكل مرضية أقعدته، وأصبحت تعاني من كل احتياجات ومتطلبات الحياة الضرورية. لكن الأم تصدت للمهمة بكل مسؤولية وغيرية واجتهاد، وطرقت سوق العمل ونجحت إلى حدٍّ ما في جانب الإعاشة، غير أنها واجهت مشكلة كبيرة في نفقات التعليم، ولديها عدد من الأولاد بنين وبنات، وبطبيعة الحال فالتعليم مُكلِف للغاية.
تداولنا الموضوع أنا وبعض الأصدقاء، وتوصلنا إلى التواصل مع دكتور الشيخ أبو رنات، صاحب مدارس نور الإيمان، القانوني الضليع، والمربي الفاضل، ومعلم الأجيال، الرجل العصامي. وقد كان. طرحنا عليه الموضوع عشمًا ورجاءً في أياديه البيضاء التي تصل إلى صاحب الاحتياج بكل رحابة إنسانية. فلم يجادلنا أبدًا، وكان الطلب تخفيضًا معتبرًا للرسوم يخفف عن هذه الأسرة، لكن الإيجاب والرد كانا مدهشين؛ إذ تم الإعفاء الكامل من الرسوم، بل قدم لنا جزيل شكره لأننا قمنا بهذا العمل العظيم. فبدل أن نشكره نحن، أصبح هو الشاكر والمقدّر لهذا المجهود. فأي إنسان، وأي مربي، وأي معلم أنت، أخي العزيز دكتور الشيخ؟!
وأنا أعلم تمام العلم أنك لا تريد جزاءً ولا شكورًا، ولكننا في زمن صارت فيه العتمة واقعًا، وأصبحت الإضاءة استثناءً، فقصدت أن أعزّز مستوى الضوء لعله يعم الآفاق في قادم الأيام. فلتكن أنت النبراس في هذا المجال، حيث القدوة والاهتداء.
ونحن على هذا الحال، إذ بإشراقة أخرى تضيء من ثنايا هذا الجمال، حيث تقدمت إحدى معلمات المدرسة بالالتزام بسداد الرسوم كاملة لواحد من الإخوة، مساهمةً في الأجر.
هكذا يكون الصرح التعليمي رساليًا تربويًا أخلاقيًا قبل أن يكون تعليميًا أكاديميًا. وحقًا إن صرحك التعليمي (مدارس نور الإيمان – أبو رنات)، أخي الكريم دكتور الشيخ، اسمٌ على مسمّى. فهنيئًا لمن هو ضمن هذا الكيان التربوي والتعليمي، ينهل من سلسبيله العذب، ويرتوي من نبع المعاني، ويرى بعيون الإنسانية آفاق الحياة. وبشرى لمن تحدثه نفسه بأن ينال شرف الانتماء.
همزة وصل:
هي روحٌ متعبة بفوضى الجسد، مُنهَكة بفكر العقل ووعي السؤال.
….






