أمجد سلمان يكتب : محاضرة بروف نمر البشير “بناء وإدارة برامج بحثية ناجحة: رؤية استراتيجية لإعادة الاعتبار للبحث العلمي في السودان”
نظّمت رابطة أساتذة الجامعات السودانيين، مساء الخميس 22 يناير 2026، محاضرة علمية فكرية عبر منصة “زووم”، قدّمها البروفيسور نِمِر البشير أستاذ الهندسة الكيميائية لجامعتي تكساس أ. آند إم. في أمريكا و جامعة حمد بن خليفة في قطر، تحت عنوان: «بناء وإدارة برامج بحثية ناجحة»، وسط حضور نوعي ضم أساتذة وباحثين من الجامعات والمراكز البحثية السودانية، داخل السودان وخارجه.
جاءت المحاضرة في توقيت بالغ الأهمية، في ظل ما يشهده قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في السودان من تحديات مركّبة، وحاجة ملحّة إلى إعادة بناء المنظومة البحثية على أسس حديثة، قادرة على الربط بين المعرفة والإنتاج، وبين الجامعة واحتياجات المجتمع والدولة.
من أين يبدأ طريق التعافي؟
استهل البروفيسور نِمِر محاضرته بطرح سؤال محوري: *من أين تبدأ رحلة استعادة دور الجامعات؟* مؤكداً أن الهدف الأعلى لأي جامعة هو بناء التميز في التعليم والبحث والخدمة المجتمعية، بما يؤهلها لتكون ضمن الجامعات الرائدة عالميًا، لا مجرد مؤسسات تمنح الشهادات. وأوضح أن طريق التعافي يبدأ من تأهيل عضو هيئة التدريس والباحث الشاب، وتوسيع آفاقه المعرفية، وتعميق فهمه لدوره المتغير، وتطوير مهاراته في البحث والعمل الجماعي، مع تبني نماذج بحثية قابلة للتقييم والتطوير والتعميم.
*مراحل إعداد المقترح البحثي:* وفي استعراضه لمراحل كتابة المقترح البحثي، أشار البروفيسور نِمِر إلى أن العملية تبدأ بتجميع الأفكار، ثم الغوص العميق في الأدبيات العلمية، وصولًا إلى تحديد المشكلة البحثية بدقة، وصياغة الفرضيات، وتنفيذ البحث، وتحليل النتائج، وتبرير الأهمية العلمية والتطبيقية لمخرجات الدراسة، مؤكدًا أن المقترح الجيد ليس وثيقة شكلية، بل خريطة طريق لمشروع معرفي متكامل.
*كيف يفكّر المراجعون؟* وتوقف محاضرنا الحصيف عند ما وصفه بـ “عقل المراجع”، مستعرضًا محاور التقييم الأساسية التي يركز عليها المحكّمون، وعلى رأسها: أصالة الفكرة، تنظيم المشروع، الإضافة المعرفية، واقعية الميزانية، الفائدة الوطنية، كفاءة الباحث الرئيسي، جاهزية الفريق البحثي، والتعليقات الختامية. وبيّن أن فهم هذه المعايير لا يهدف إلى “إرضاء المراجع”، بل إلى تحسين جودة البحث نفسه.
*بناء فريق بحثي فعّال:* خصص البروفيسور نِمِر جزءًا مهمًا من المحاضرة للحديث عن بناء فرق البحث، مشددًا على أن القيادة البحثية تبدأ بإدارة الذات، والانضباط، واحترام الوقت، والقدرة على التفويض، وبناء الثقة مع الطلبة ومساعدي البحث. وأكد أن الفريق الناجح يقوم على التزامات واضحة، ومواعيد محددة، واجتماعات مُحضَّر لها جيدًا، وثقافة احترام متبادل، وأن احترام الطلبة لا يُكتسب بالسلطة، بل بالقدوة والالتزام.
*الربط بين التدريس والبحث:* وأشار بروف نمر إلى أن التدريس والبحث ليسا مسارين منفصلين، بل يجب أن يتكاملا، عبر توظيف أمثلة بحثية حقيقية في التعليم، وربط المعرفة النظرية بالتطبيقات الواقعية، وتحفيز الطلبة على التفكير النقدي والاستنتاج المنهجي.
*النشر العلمي: فكرة واحدة… واضحة:* وفي محور نشر نتائج البحث، شدد البروفيسور نِمِر على أهمية البساطة والوضوح، والتركيز على فكرة واحدة ذات إسهام حقيقي، مستشهدًا بقصص علمية ملهمة، من بينها رفض الورقة الأولى للبروفيسور بيتر هيغز قبل أن ينال لاحقًا جائزة نوبل، وكذلك تجربة جون غودإناف، مكتشف بطارية الليثيوم، الذي رُفضت أبحاثه في البداية.
*البحث العلمي وخدمة المجتمع:* وتناول المحاضر دور الباحث في خدمة المجتمع، عبر الانخراط في أنشطة الجامعة، والعمل التطوعي، والمشاركة في الجمعيات المهنية، وإطلاق المبادرات ومتابعتها حتى نهايتها، ليكون الأكاديمي قدوة لزملائه وطلابه.
*أمثلة تطبيقية من السودان:* وقدّم البروفيسور نِمِر نماذج عملية لتأثير البحث العلمي على الصناعة، مستعرضًا تجربته في مركز السودان لتكنولوجيا السكر، ودوره في دعم منتج استراتيجي، إلى جانب تحليله لقطاع النفط والغاز في السودان، مؤكدًا أن البحث العلمي الجاد هو المدخل الحقيقي لخفض التكاليف وتعظيم العائد. كما شدد على أهمية الاعتراف بجهود الطلبة والشركاء، وعدم احتكار الفضل، باعتبار أن الثقة والنزاهة العلمية هما أساس الشراكات المستدامة.
*القيادة بالقدوة والرؤية:* وفي ختام المحاضرة، عرض البروفيسور نِمِر رؤيته للقيادة الأكاديمية، بوصفها قيادة تقوم على الرؤية والعمل الجماعي، وتسخير الطاقات، وبناء مؤسسات بحثية متخصصة ذات تأثير محلي وإقليمي وعالمي، تعيد للجامعات السودانية مكانتها المستحقة.
واختتم برسالة تحفيزية عميقة قال فيها: *”لديكم كل ما يلزم للنجاح… آمنوا بأنفسكم، كونوا مبدعين في استثمار الموارد، اغتنموا الفرص، وكونوا شجعانًا في مواجهة التحديات”.*
عقّب على المحاضرة الثرّة د. هشام محي الدين صابر الرئيس التنفيذي السابق لصندوق قطر للبحث العلمي حيث أوضح طريقة نظر الصندوق للمشاريع المقدمة و كيفية التحلي بالحنكة و الدقة في تقديم المشاريع البحثية كما رد بشكل ضافي عن تساؤل قدمه د. علي السيد ، عن إمكانية دخول المؤسسات البحثية و الجامعات السودانية في قائمة الجامعات المرموقة في العالم و ذكر أن ذلك أمر سابق لأوانه حالياً و يمكن تنظيم قائمة محلية و بجوائز تقديرية لتحفيز الجامعات السودانية على التنافس فيما بينها بما يؤدي إلى التطوير ، كما عقب باستفاضة د. على السيد سكرتير عام إتحاد الجامعات السودانية ، شاكرا رابطة أساتذة الجامعات السودانيين في قطر على هذا المجهود الكبير، و مستعرضا المجهودات الكبيرة التي تقوم بها الجامعات السودانية في إبقاء جذوة البحث العلمي مشتعلة في ظل ظروف الحرب المعقدة ، خاصة مع تبعثر كوادر التدريس و البحث العلمي حول العالم.
تُعد هذه المحاضرة إضافة نوعية للنقاش حول مستقبل البحث العلمي في السودان، ودعوة صادقة للانتقال من التشخيص إلى الفعل، ومن الأمنيات إلى البرامج القابلة للتنفيذ.
و ستواصل رابطة أساتذة الجامعات السودانيين في قطر هذه في تقديم هذه المحاضرات و التي تستهدف شباب الباحثين السودانيين لتمكينهم من تملك الأدوات المعرفية اللازمة للبحث العلمي ووسائل الحصول على الدعم المالي لمشاريعهم البحثية.
في الختام من الواجب شكر كل من قام بجهود مقدرة في التنظيم لهذه المحاضرات ذات القيمة العلمية العالية ، و أخص اللجنة العلمية و على رأسها بروفيسور أحمد إبراهيم أبوشوك رئيس الرابطة ، د. أمل خضر و دينمو هذه المجموعة والسكرتير الأكاديمي للرابطة ، و الأستاذ أحمد المكّي الرجل المتفاني في الدعم التقني ، و عضوية اللجنة العلمية ، و نهيب بالمتابعين أن يسجلوا حضورهم في سلسلة المحاضرات النوعية القادمة و التي ستبدأ مساء اليوم الثلاثاء 27 يناير بمحاضرة بعنوان *(بناء مشاريع بحثية منافسة لضمان الحصول على التمويل).*
وصلة حضور المحاضرة:
https://us02web.zoom.us/j/81926019150
بقلم د. أمجد إبراهيم سلمان
الثلاثاء 27 يناير 2026






