آراء ومقالات

عبدالعظيم ميرغني يكتب : غابة السنط: ذاكرة الخرطوم البيئية بين الحماية والتطوير

بقلم – دكتور عبد العظيم ميرغني

مدير الغابات الاسبق.

غابة السنط بالخرطوم واحدة من أقدم الغابات الحضرية الطبيعية في المنطقة، إذ نشأت تلقائياً على ضفاف النيل الأبيض قبل قيام المدينة، وتشكلت عبر تفاعل طويل بين الفيضان. وقد صدتك الغابة لما يقارب قرناً من الزمان في مواجهة التوسع العمراني، لتظل شاهداً حياً على الذاكرة البيئية للعاصمة.

حُجزت الغابة رسمياً عام 1932 كغابة إنتاجية لتوفير الوقود للقاطرات والبواخر النيلية وتلبية احتياجات المدينة، ومع انتفاء هذا الغرض تحولت تدريجياً إلى غابة حضرية تؤدي وظائف بيئية وسياحية حيوية، شملت تثبيت ضفاف النيل، وتلطيف المناخ المحلي، وتحسين جودة الهواء والمياه، إلى جانب دورها كمأوى للطيور والكائنات المرتبطة بالنظام النهري.

وفي عام 1939 أُعلنت غابة السنط والمنطقة الممتدة من موقع كبري النيل الأبيض الحالي وحتى منطقة الشجرة محميةً للطيور، لتكتسب بذلك وضعاً بيئياً وقانونياً خاصاً. غير أن الواقع العملي شهد لاحقاً فقدان كامل للمنطقة الممتدة جنوب الغابة حتى الشجرة، حيث حلت محلها المنطقة الصناعية وأحياء ومدن الشجرة وغيرها، بينما بقيت الغابة نفسها محتفظة بوضعها القانوني.

لاحقاً، أُدرجت غابة السنط ضمن الخطة الهيكلية لولاية الخرطوم، مع توقعات برفع مستوى الاعتراف الدولي بها حال استكمال إجراءات إدراجها ضمن اتفاقيات الأراضي الرطبة، بما يعزز من مكانتها البيئية ويشدد الالتزامات تجاه حمايتها.

ورغم هذه الأهمية، تعاني الغابة حالياً من محدودية الاستخدام، إذ لا يُستفاد فعلياً إلا من نحو 17 فداناً، أي ما يعادل 4% فقط من مساحتها الكلية، ولمدة ستة أشهر في العام، بينما تظل بقية المساحة مغمورة بالمياه. ويصاحب ذلك تآكل تدريجي في المساحة، وضعف واضح في الاستفادة من الواجهة النيلية ذات القيمة البيئية والترفيهية العالية. ويبلغ عدد الزوار عند آخر دراسة أجرتها الدكتورة هدى شعراوي من جامعة الخرطوم انحو 3619 زائراً، غالبيتهم من أصحاب الأعمال الحرة، فيما تُقدَّر القيمة الترفيهية الكلية الحالية للغابة، وفق منهج تكلفة السفر الفردية (Individual Travel Cost Method)، بالتي أجرتها الدكتورة هدى رحمها الله نحو 60,927 ديناراً في السنة، أي ما يعادل 3,046 دولاراً سنوياً فقط لا غير حسب معطيات الدراسة.

ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، شهدت غابة السنط محاولات متعددة لتطويرها واستثمارها سياحياً وبيئياً، شاركت فيها جهات محلية ودولية، إلى جانب جهود الهيئة القومية للغابات بالاعتماد على الجهد الذاتي. وكان آخر هذه الجهود تصوراً متكاملاً أعدته لجان فنية متخصصة شُكّلت بموجب قرارات وزارية، واستند إلى دراسات جدوى بيئية واقتصادية، وقد جرى عرض هذا التصور في قاعة الشارقة بجامعة الخرطوم بحضور ومشاركة جميع أصحاب المصلحة.

ويهدف هذا التصور إلى إعادة إعمار الغابة باعتبار الإعمار وسيلة للحماية، من خلال تطوير بيئي متوازن يحقق الاستخدام المستدام على مدار العام وذلك عن طريق التحكم في مياه الفيضان الداخلى على الغابة بإقامة كورنيش ، ويزيد المساحة المستفاد منها بمقدار 88 فداناً، بما يعادل 18% من مساحة الغابة، مع إضافة 153 فداناً كمساحات خضراء، تمثل نحو 33% من المساحة الكلية، إلى جانب تنويع الأنواع الشجرية. كما يستهدف التصور إتاحة الغابة لكافة شرائح المجتمع، وتحقيق الاستفادة المثلى، لا القصوى، من الواجهة المائية، بما ينسجم مع الخريطة الهيكلية لمدينة الخرطوم، ويتناغم مع محيطها العمراني، ويتصالح مع الجمهور.

ومن هذا المنظور، أرى أن الوضع الأمثل أن تُطرح إعادة إعمار الغابة كمشروع وطني خالص، تقوده الدولة عبر الهيئة القومية للغابات صاحبة الاختصاص والملكية، وبمشاركة جميع أصحاب المصلحة. وهدف المشروع إلى جعل الغابة نموذجاً حياً يجمع بين الحماية والتنمية، ويعكس السيادة الوطنية والقيم الرمزية والتاريخية للبلاد.

ويستند مشروع التطوير المقترح إلى جملة من الدوافع، أبرزها إقامة نموذج بيئي يرفع الوعي العام ويؤمّن بقاء الغابة والمحافظة عليها، وتحقيق أهداف ووظائف الغابة الحضرية واستخداماتها بصورة متميزة ومستدامة، وتوفير عائد مادي يسهم في تسيير وإدارة مناشط الغابة والغابات الأخرى ضمن إطار الهيئة ذاتية التمويل. كما يشمل توفير خدمات بيئية وسياحية مستدامة، وتهيئة مناخ جاذب وداعم للاستثمار، وزيادة المرافق الترفيهية العامة والمتنزهات والمنشآت الداعمة للتطور الاجتماعي، والإسهام في عكس وجه مشرق للعاصمة القومية.

وتؤكد التجارب العالمية، أن السياحة البيئية تمثل الحل الأمثل للمحافظة على الغابات الحضرية وضمان استمراريتها، بما في ذلك غابة السنط بالخرطوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى