آراء ومقالات

جعفر عباس يكتب : جيت لينا يا يوم الفرح

كان يومًا انتظرته بقليلٍ جدًا من الصبر، ثم جاء. وكان الثلاثاء 6 يناير، قبل 8 أيام، وجاءت معه بشارة أنني نلت البراءة من تهمة قاسية. فقد زرت الطبيب شاكياً من أمرٍ عارض، كنت قد سكتُّ عليه شهورًا طويلة، فقرر أن أخضع للتصوير بالموجات الصوتية «فورًا».

يا ساتر… لماذا فورًا؟

تم التصوير وصدر التقرير، فقال الطبيب:

أوكي، بس لازم نعمل تصوير بأشعة إكس.

ليه؟ في شنو؟

قال: عشان أطمئن!!

نعم؟ تطمئن أنت وأنا «أتقلقل»؟

ابتسم، وقال: عشان كلنا نطمئن.

ولكن لم يكن في هذا الكلام ما يبعث على الطمأنينة، بل ما يشير إلى أن الحكاية فيها «إنّ». وتم التصوير بأشعة إكس. فقال الطبيب:

أوكي، بس أحسن نأخذ عيّنة ونفحصها في المختبر!!

الله أكبر.

الكلام دخل الحوش، والحكاية فيها «إنّن» و«إنّات».

عندما يكون الإنسان في انتظار نتيجة مختبر لتحديد احتمال إصابته بمرض «ما»، يصبح من أنصار الحكمة الشعبية السودانية:

«كتلوك ولا جوك، جوك»،

يعني إذا كان واردًا أن يحدث أمر كارثي، فحدوثه أهون من انتظار حدوثه يومًا بعد يوم.

ورغم أنه لم يكن في الأمر ما يطمئنني، إلا أنني لم أكن منهارًا ولا منكسراً، ولكنني ذكرتُه تلميحًا لأم الجعافر، وندمت على ذلك. فقد ظلت عيونها «مفنقلة»، وهي سارحة، وعقلها «يودي ويجيب»، وتتجنّب توجيه أسئلة مباشرة لي. لكنني كنت أحسّ بأن القلق ينهش من عافيتها.

أنا بطبعي لا أميل إلى التشاؤم، وواصلت حياتي العادية إلى حدٍّ كبير: أكتب في فيسبوك والصحف، وأتابع التلفزيون، وألعب «فري سيل» على الكمبيوتر. لكن بالي كان يسرح أحيانًا:

سأشتري قبعة مثل سيف الجامعة أو سلفا كير.

لا… أحسن لباس الرأس الخاص بمعتز صباحي «القاطعو من راسو».

ثم اكتشفت أن عيالي استفسروا من أمهم عن سبب عيونها المفنقلة ووجومها شبه المستمر، فباحت لهم بشكوكها وهمومها. وأرهقني عاطفيًا أن أراهم ينظرون إليّ بـ«طرف عيونهم» في إشفاق وقلق.

ثم جاء يوم الثلاثاء 6 يناير، وصدر قرار البراءة، وكانت زوجتي إلى جانبي حين صدوره، وخشيت أن «تزغرد» داخل المستشفى. وعندها قررت تجاهل نصائح ود كتكوت عن حقوقي في التثنية والتثليث والتربيع نهائيًا.

يا ما أنت كريم يا رب.

«بلاء وانجلى… حمد الله ألف على السلامة».

عدت إلى البيت، واستحممت بالماء البارد جدًا، ولبست عراقي مع سروال طويل، لأن ذلك يعطيني الإحساس بأنني قريب من السودان. وغنيت للأهل في الشتات وداخل الوطن:

متين يا ربي تاني تلمّنا

قريب يا ربي تلمّ شملنا

ونأكل سويًّا «كرامة» سلامة الوطن

وغنيت لبلدي الحبوب أبو جلابية وتوب وسروال مركوب

(وخليت الجبة والسديري لأدروب).

زر الذهاب إلى الأعلى