حديث المدينة – عثمان ميرغني يكتب : الخطة الاستراتيجية الوحيدة
منذ تشكيل حكومة الأمل لم يظهر في سمائها نجمٌ هادٍ يضيء الطريق نحو خططٍ استراتيجية حقيقية تبعد البلاد نحو المستقبل.. عدا مرة واحدة فقط، لكنها لم تكن مقصودة، بل طفرت عفو الخاطر.
عند عودة الدكتور كامل إدريس من نيويورك بعد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي مؤتمر صحفي قال: «لدينا خطة لتشييد مليون مسكن للشباب مع وحدات إنتاجية»، ثم استدرك قائلًا: «ما تسألوني عنها لأنها مجرد فكرة..»
رغم هذا الاستدراك الذي أراد به إغلاق الباب أمام أسئلة متوقعة (أين؟ وكيف؟ وماذا؟)، فإنه – في الحقيقة – قدم خطة استراتيجية تتجاوز منهج التفكير الذي ظلت تُدار به البلاد عبر العهود.
طوال عمر السودان منذ الاستقلال، تتجنب الحكومات التورط في خطط لمشروعات عابرة للسنوات أو الأجيال، وتفضّل الرنين الشعبي قصير الصدى والمدى، في مشروعات تشبه طعام الوجبات السريعة.
وللدقة: ما عدا عهد الجنرال إبراهيم عبود (الذي امتدت بعض مشاريعه إلى عهود لاحقة)، مثل خزان الدمازين، وكبري شمبات، وكبري القوات المسلحة وغيرها.. فقد بدأت في عهده، لكن أغلبها أُنجز وافتُتح وقُطف صيت ثمرتها في عهود حكم لاحقة.
أدب التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى غائب تمامًا عن الحكومات السودانية. ولهذا حين قال كامل إدريس إنه يخطط لمليون مسكن للشباب، فقد وضع إصبعه على الجرح، ونطق بخطة استراتيجية تبدأ بعنوان عريض، ثم تنساب عبر الأجهزة المختصة لتفصيلها ووضع خططها التنفيذية.
بالضرورة، مليون مسكن تعني مشروعًا ممتدًا لسنوات عديدة، ويعني ذلك أن الصيت المرتد منه قد لا يتحقق قريبًا.. وهنا تكمن أهمية مثل هذه الخطط.
من الحكمة أن نبدأ الآن في تصميم خطة استراتيجية للسودان تغطي خمس سنوات على الأقل، لكن بصورة علمية ومنهجية وحقيقية وجادة. وأقول «جادة» حتى لا نكرر تجربة الخطط الخمسية والعشرية السابقة التي كانت تُستخدم للدعاية أكثر مما كانت تُستخدم للإنجاز.





