آراء ومقالات

حديث المدينة – عثمان ميرغني يكتب : في قصة الجامعة…

كتبتُ أمس عن الضجة التي أثارتها استقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، البروفيسور علي رباح، وحيثياتها المرتبطة باتهامات خطيرة تتعلق بالتحقق من الشهادات الأكاديمية وشبهات التزوير. وقلتُ إن المسألة برمتها الآن تمثل “امتحانًا” حقيقيًا لجامعة الخرطوم، ليس فقط لمعرفة الحقيقة، بل لمعرفة كيف تعالج الجامعة مشكلاتها الذاتية، وهي التي ينتظرها الشعب لتعالج أزمات الوطن كله.

في عام 1965 انعقد مؤتمر المائدة المستديرة لمعالجة قضية جنوب السودان، بعد استشراء التمرد وسوء الأوضاع الأمنية في الجنوب والشمال معًا. تولت جامعة الخرطوم – ممثلة في مديرها البروفيسور النذير دفع الله – رئاسة هذا المؤتمر التاريخي المهم، الذي نجح في وضع أسس علمية وعملية للتعامل مع المشكلة، استفاد منها نظام الرئيس جعفر نميري، وأنجز منها اتفاقية أديس أبابا عام 1972، والتي حققت السلام لأول مرة في جنوب السودان.

ولعبت جامعة الخرطوم أدوارًا وطنية مشهودة في ثورة أكتوبر 1964، التي ولدت في ساحاتها ثم انتصرت بفضل قيادتها للمشهد الجماهيري. وظلت تُثري “مؤتمر أركويت” للتنمية، الذي عُقدت سلسلة منه آخرها النسخة رقم 14 في عام 2018 بجامعة الخرطوم.

ولأن جامعة الخرطوم في الوجدان الوطني ليست مجرد منارة للعلم وحده، بل رمز لصناعة الرشد في الدولة، فالمأمول أن يشهد الشعب نموذجًا يُحتذى في معالجة ما أثارته استقالة أمين الشؤون العلمية.

للأسف، البيانات الصادرة من وزارة التعليم العالي ثم من جامعة الخرطوم لم تكن كافية لإظهار الرشد في معالجة الأزمة، بل سارت في الاتجاه التقليدي الذي درجت عليه مؤسسات الدولة: الإنكار، والبحث عن “شماعة” تبريرات، وإثارة أكبر قدر من الغبار الذي يحجب الرؤية عن الثغرات الحقيقية الواجب معالجتها.

من الحكمة أن نستثمر هذه الأزمة لإجراء معالجات جذرية في السياقات التالية:

أولاً: استقلال الجامعات السودانية عن السلطة التنفيذية، ممثلة في وزارة التعليم العالي. سبق لي الإشارة إلى ذلك في كتابي “السودان: الجمهورية الثانية”، حيث ضربت مثلاً على صناعة مؤسسات حقيقية، فاخترت جامعة الخرطوم تحديدًا، وأوضحت كيف تتحقق المؤسسية بتعزيز استقلالها عن الوزارة، وترك مسائل إدارتها وكامل مهامها للجامعة. واخترت المثال الثاني مشروع الجزيرة، موضحًا أهمية استقلاله عن وزارة الزراعة.

ثانياً: أهمية الحكومة الإلكترونية، بل والحكومة الذكية، التي تتجاوز مجرد توفير آلية للتحقق من الشهادات، إلى إمكانية الاستغناء عن إبراز الشهادة الورقية تمامًا (على الأقل داخليًا في السودان). يمكن التقديم للوظائف بذكر الشهادة في السيرة الذاتية فقط، ثم تستوثق الجهة المعنية من الجامعة مباشرة إلكترونيًا، مما يوفر الوقت والجهد والمصداقية والمال.

ثالثاً: دور الجامعات في الدولة خارج النطاق الأكاديمي، وغيرها من المطلوبات لترقية وضع الجامعات عمومًا، وجامعة الخرطوم خاصة.

هذه الأزمة فرصة لإعادة بناء الثقة، فهل ستكون جامعة الخرطوم – كما كانت دائمًا – في مستوى التحدي؟

زر الذهاب إلى الأعلى