مصعب رشاش يكتب : القذافي و ساركوزي ,,, إختلاف القيم و أسباب التهلكة
Rushash72@gmail.com
القيم هي معايير أخلاقية توجه سلوك الفرد و المجتمع و تحدد ما يعتبره الناس صحيحاً و مفيداً في الحياة و ما يعتبروه خطأ و ضار . و القيم على العموم باستثناء ما يسمى القيم العليا ( كالصدق , الأمانة , الشجاعة , الوفاء … إلخ ) ليست أموراً أزلية ثابتة . و إنما هي صيرورة تاريخية تتبدل و تندثر و تنشأ و ترتقي و تختلف باختلاف المناخ الثقافي و المستوى الحضاري للإنسانية .
فقيمة الجيرة مثلاً نشأت بعد نشوء المجتمعات المدنية عندما اختلط الناس من أعراق و خلفيات ثقافية مختلفة و صاروا يعيشون متجاورين . نشأت قيمة الجيرة بعدما انتقل الناس إلى العيش في مجموعات مختلفة عن مجتمع القبيلة و العشيرة الذي يقوم على صلات النسب و الدم و يحكمه الجد أو الأب و الأعمام و الأخوال . و لذلك فالرسول ص قال حديثه الشريف ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) بعدما هاجر المسلمون إلى المدينة التي خالطت فيها قريشٌ قبائل مختلفة بل و قوميات و جنسيات أخرى مثل اليهود و الفرس و الأحباش و الروم . و تنبع أهمية قيمة الجيرة و احترامها من كون أنها تمثل أهم ضمانات استقرار و تناغم و تعايش المجتمعات المدنية الحديثة .
و نشأت قيمة الزمالة كذلك بعد نشوء المؤسسات الحديثة التي غدا الناس فيها يتعاقدون و يوظفون للعمل لسنوات طويلة لشغل وظائف متخصصة بمرتبات منتظمة و وفق قوانين و لوائح . فقبل المؤسسات كان الناس لا يعملون سوياً إلا في حالة ( النفير ) غالباً . أو يعملون مجتمعين لقاء انجاز عمل محدد في مدة زمنية قصيرة بنظام ( المقطوعية ) يمضي بعده الناس كل إلى حال سبيله .
و لذلك فإن تقدم الدول وفق معايير الدولة العصرية الحديثة يتطلب تقدماً و تديناً بالقيم العصرية التي توافق التطور و التغير الذي طرأ على العلاقات الإنسانية بشكل عام . ذلك التطور القيمي الذي ولد نتيجة ارتقاء المناخ المعرفي و التقني الذي أصابته البشرية في القرون الأخيرة .
ما بين عامي 2006 و 2007 كشفت تحقيقات فرنسية رسمية تمويل العقيد ( معمر القذافي ) لحملة مرشح الرئاسة الفرنسية ( نيكولاي ساركوزي ) بمبلغ 50 مليون يورو . و ما جرى حيال تلك الحادثة يبين الاختلافات الجوهرية في القيم و المفاهيم التي تؤسس عليها الأنساق الأخلاقية في التعامل مع الدولة و السياسة و الحكم في مناخات ثقافية مختلفة . ففي فرنسا ظلت التهم و التحقيقات تلاحق الرئيس ) نيكولاي ساركوزي ) طيلة فترة حكمه بل و حتى الآن . و قد كان ذلك سبباُ رئيساً في سقوطه في الانتخابات التالية أمام المرشح ( فرانسوا هولاند ) . تم اتهام ساركوزي بالفساد و استغلال نفوذه خلال حملته الانتخابية و تلقي أموال غير شرعية من العقيد معمر القذافي . و قبل فترة قصيرة خرج ساركوزي من السجن و لا تزال محاكماته تجري حتى الآن بتهم أخرى .
في ليبيا طبعاً لم يجرؤ كائن يمشي على ساقين على الحديث عن الأمر أو مجرد التمليح إليه . لم يتحدث أحدً عن أن ما تم يطابق أو يخالف نصاً قانونياً أو يمثل تجاوزاً دستورياً أو يعتبر تصرف في أموال الشعب و الأمة في مصلحتها أو غير مصلحتها . بل كان القذافي يفتخر بتمويل حملة ساركوزي على الملأ . فيا رعاك الله , من هو أشد جرماً و تجاوزاً بحق شعبه و دولته , من يدفع من المال العام لشخص أجنبي بدون الرجوع لمؤسسات الدولة التنفيذية المختصة و بدون أي مرجعية تشريعية أو قانونية أو تفويض ؟ أم من يتلقى الأموال من جهة أجنبية لتمويل حملته الشخصية للترشح لمنصب عام ؟
إن الدول و الأمم تصيب النجاح و التقدم و الاستقرارعندما تتبنى منظومة من القيم و المبادئ الأخلاقية أهمها العدالة . و العدالة تعني المساواة أمام القانون . و المحاسبة العادلة للسلطة و المسؤولين . و توفر نظام قضائي مستقل و نزيه يتساوى أمامه المواطنون .
و العدالة ليست منحة من الحاكم أو السلطان . و هي ليست هبة من فرد يمنحها لمن يشاء و يمنعها عمن يشاء من الرعية . و إنما العدالة قيمة عليا يكفلها الدستور الذي تؤسسه و تتوافق عليه الأمة و يتساوى تحت مظلتها الحاكم و المحكوم على السواء . و في دولة العدالة تمنح الهيبة و الحصانة للدستور و المؤسسات و ليس الأفراد . فالدولة الراشدة لا تراهن على الفرد و لا تركن إلى النفس البشرية النزاعة للهوى و إنما تراهن على القانون و المؤسسات . و لذلك ذهبت الدولة نفسها و ضاعت عندما ذهب الفرد الذي احتكر الهيبة و القوة و السلطة المطلقة لشخصه في حالة القذافي . بينما بقيت الدولة شامخة و قوية و لم يمسها السوء عندما وضعت هيبتها و سلطانها في الدستور و المؤسسات . و ذهب الفرد الخاضع للنظام و القانون و المؤسسات بمفرده إلى حال سبيله بكل هدوء في حالة نيكولاي ساركوزي .
و عطفاً على ما سبق فإنني أرى أنه من الكسل الحضاري أن تتنازل الأمة عن مسؤوليتها في تأسيس منظومة حكم و مؤسسات إدارة عامة راشدة و فعالة و تقعد بانتظار أن يهبها الله قائداً فرداً بمواصفات محددة ليقوم مسارها و يأخذ بيدها إلى الأمام . فتلك مجرد أمنيات الكسالى و العاجزين في عالم أصبح يصنع الدولة مثلما يصنع السيارة و الطائرة و الحاسوب . و كل شيئ يجري و يتم بمقدار محسوب .
و بحسب ما أرى فإنه من العبث و ضياع الوقت , أن نراهن على الفرد و صلاح أخلاقه و استقامته في مسألة إصلاح الدولة و تأسيس الإطار المعنوي لتقدمها و تطورها . فأمر الأمم و الشعوب يستقيم ابتداءً بتطبيق العدالة . و على الأفراد بعد ذلك الاصطفاف مخيرين أو مجبرين تحت لافتة العدالة و القانون . و الرسول ص بين من قبل أن الأمم تهلك عندما تغيب فيها العدالة و يتفاوت فيها الأفراد أمام القانون فقال : ( إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد . و أيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ) . رواه البخاري و مسلم .
. و لم يقل الرسول ص بأن الأمم تتلاشى و تهلك عندما يسرق الأفراد أو يفسدون . فالسرقة و الكذب و النفاق و الظلم و الفساد و السلوكيات السيئة عموماً ظلت موجودة بنسب متفاوتة في المجتمعات الإنسانية في كل العصور . و هي لن تنقرض ما دامت النفس البشرية تتمتع بالإرادة و الشهوة و حب التملك و تتصارع من أجل السيادة و البقاء .
هناك قيم و مبادئ و أخلاقيات أخرى تؤسس عليها الدولة الناجحة منها الحرية . حرية التعبير و المعتقد و الصحافة و إحترام الحريات العامة . و العلة في ذلك هي أن الفرد الذي يتنفس بشكل طبيعي هو الأقدر على التنافس و قطع الأشواط الطويلة في مضمار التنافس الإنساني . و الفرد الحر هو الذي تتوفر لديه امكانية الإبداع و التفوق و التضحية . و الفرد الحر هو الذي يستطيع حماية حقوقه و مراقبة الأداء العام لمؤسسات الدولة و تقويمه . و الشفافية قيمة مهمة لتأسيس دولة قوية ناجحة . فالشفافية تعني وضوح كيفية و مسارات إدارة المال العام .
و نواصل ,,,,,, إن شاء الله





