منذر مصطفى يكتب : هل ينهي ميثاق القاهرة الحرب؟

في الذكرى الـ5 لرحيل الإمام الصادق المهدي، وقع 15 حزباً سياسياً و17 مجموعة مدنية و13 شخصية وطنية في جمهورية مصر العربية، على وثيقة تهدف لإنهاء حالة التشرذم المدني وتعبيد الطريق لاستعادة المسار الديمقراطي، موسومة بـ “ميثاق القاهرة لوقف الحرب وتحقيق مقاصد الثورة واستعادة المسار الدستوري المدني الديمقراطي”.
أكد الميثاق على مركزية “إعلان نيروبي” (المبادئ العامة لبناء سودان جديد) في توحيد الصوت المدني، وأورد حزمة موجهات لـ “عقلنة” السياسة التشغيلية في العمل المدني، عبر الانتقال من مرحلة التباينات إلى مرحلة “تنسيق الأهداف والأنشطة”، مستلهماً أهداف ثورة ديسمبر ومبادئها في الحرية والسلام والعدالة.
ولفهم مدى الاختراق الذي سعى الميسرون لإحداثه عبر هذه المشاورات المطولة، علينا النظر في سياق الانقسام السياسي للقوى المدنية الذي سبق الحرب، وتحديداً منذ التئامها في “إعلان الحرية والتغيير 2019″؛ حيث تصاعدت الاتهامات المتبادلة بانتهاج سياسات لا تحقق غايات الانتقال.. وانقسم المشهد بين فريق ينادي بالاعتماد على تعبئة المجتمع المحلي، وآخر يرى ضرورة تعبئة المجتمع الدولي.
ينطلق المنادون بالاعتماد على الداخل من مبدأ ترجمة “التعاقد” بين النشطاء الإنسانيين والمدنيين والمجتمعات المحلية إلى برنامج عمل سياسي، وتصعيد هذه المطالب لفرض سياق جديد لبناء الدولة مع مقاومة النفوذ المثبط.. وفي المقابل، ينطلق الفريق الآخر من مبدأ أن للسودانيين أصدقاء لديهم مصلحة في الانتقال ومستعدون للتضامن مع قضاياه العادلة، وأن تغافل دورهم الإيجابي يراكم تكلفة إنسانية يمكن تخطيها بالأدوات الدبلوماسية.
جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتضيف تحديات مستجدة على هذا الانقسام؛ حيث تصاعدت محاولات أطراف الحرب لتذويب القوى المدنية في معسكراتها، مستلفةً تجارب نظام 30 يونيو 1989 في هذا الصدد. وفوق ذلك، تواجه هذه القوى تهديدات الجماعات الإرهابية التي تحد من نشاطها في الداخل ودول الجوار، وتطارد منسوبيها حتى في المنافي.
ومع تنامي التنافس على القيادة، يتمدد “أمراء الحرب” في فرض أمر واقع، بينما تتخوف معظم دول المنطقة من التعامل مع أي طرف مدني خشية إثارة حفيظة الطرف الآخر.. وبسبب ذلك، تبقى المساحات المدنية “مناطق مهجورة”، بينما يبرز القادة العسكريون كوكلاء للنفوذ خارج إطار الدولة، مما يزيد من مستويات الهشاشة وتهريب الموارد، ويطيل ذلك من “شرعية الحرب”.
ومن هذا المنطلق، قدم ميثاق القاهرة وصفته لبناء ‘الجبهة المدنية الوازنة’ المنوط بها إنهاء الحرب، بدءاً برتق مؤسسات الثورة، وصولاً إلى تدشين انتقال مدني جديد.. تقودها جبهة تستلهم مفهوم الإمام الصادق المهدي ‘الديمقراطية عائدة وراجحة’ بـ التوافق الوطني العريض؛ وتؤسس لـ ‘هندسة سياسية’ جديدة تستعيد الدولة من قبضة ‘أمراء الحرب’ لـ رحاب ‘المواطنة المتساوية’ والديمقراطية الراسخة.
منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
الثلاثاء 6 يناير/كانون الثاني 2026






