نون كشكوش تكتب : التدخل الأمريكي في فنزويلا: عدالة أم مصالح؟

تمثّل السياسات الأمريكية تجاه فنزويلا نموذجًا واضحًا للتدخل غير المشروع في شؤون دولة ذات سيادة، من خلال الإكراه الاقتصادي، والدعم السياسي لقوى داخلية، وتوظيف أدوات مؤسسية واستخباراتية خارج إطار الشرعية الدولية.
استخدمت الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية الشاملة كوسيلة ضغط مباشرة؛ إذ بدأت تدريجيًا منذ عام 2010، ثم أُعيد تسليطها على السطح بقوة في عام 2017، وبلغت ذروتها في عام 2019. وقد استهدفت هذه العقوبات قطاع النفط والتمويل الحكومي، إضافة إلى تجميد الأصول الحكومية، ما أفضى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وإلحاق أضرار جسيمة بالسكان المدنيين. ويُعد الإكراه الاقتصادي أحد أشكال القوة غير العسكرية لإضعاف الدول وسكانها.
حاولت الولايات المتحدة الأمريكية تغيير النظام في فنزويلا لسنوات طويلة، بشكل مباشر أو غير مباشر، تمثّل ذلك في دعمها للمعارضة الداخلية، وهو ما يتعارض مع مبدأ عدم التدخل وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ويقوّض الأساس القانوني لدساتير الدول.
قصدت أمريكا بهذه الممارسات إضعاف فنزويلا التي تبنّت نظام حكم اشتراكي في عهد الرئيس الثوري هوغو تشافيز، ويُعد حكم نيكولاس مادورو في ظاهره امتدادًا له. وقد جاء ذلك واضحًا بدعم إدارة ترامب الأولى لانقلاب خوان غوايدو (Juan Guaidó) والاعتراف به رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا، رغم أنه لم يستمر فعليًا سوى يوم واحد.
المعلوم لدى الجميع أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، إذ يبلغ نحو 303 مليارات برميل من النفط الخام المثبت (Proven Oil Reserves)، ما يجعلها في المرتبة الأولى عالميًا، متقدمة على السعودية وإيران وكندا وغيرها من الدول. ويشكّل هذا الاحتياطي ما يقارب 17–20% من إجمالي احتياطيات النفط العالمية.
غير أن هذا المورد لم يُستغل بشكل مسؤول على مستوى التنقيب أو التنمية، ورافقت «لعنة النفط» الشعب الفنزويلي، سواء بسبب هيمنة الدول المتسلطة أو بسبب الفساد الحكومي في عهد الرئيس مادورو.
يُعد الهجوم العسكري الأمريكي على فنزويلا، وقبلها نيجيريا، ضربًا بميثاق الأمم المتحدة عرض الحائط، في مخالفة واضحة لمبدأ استقلال الدول وسيادتها وحرية الشعوب في التغيير. ويزداد هذا السلوك خطورة حين يتم خارج أي تفويض من مجلس الأمن، مما يحوّله إلى فعل أحادي يفتقر للمشروعية الدولية. فوفقًا للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، يُحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
ما يحدث من الولايات المتحدة حاليًا يُعزى إلى اختلال موازين القوى في العالم بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار دوره السابق، في مقابل صعود المشروع الاقتصادي الأمريكي وهيمنته على الدول.
لقد آن الأوان لأن يتوافق العالم مجتمعًا على نظام عالمي جديد، لا مكان فيه لسلطة منفردة، سواء كانت الولايات المتحدة أو غيرها، وذلك عبر إعادة النظر في حق الفيتو للدول الخمس الدائمة العضوية، إذ اتضح أن المصالح الخاصة والهيمنة، والمساومات التي تُدار «تحت الطاولة»، باتت هي الحاكمة لسياساتهم الخارجية، لا الأمن والسلم الدوليين.






