حين تتقدّم الأمانة الصفوف: مناسك عيسى… درسٌ أخلاقي يُدرَّس

شبكة الخبر ـ كسلا
في زمنٍ تتزاحم فيه الأخبار القاتمة، تخرج من قلب المدارس قصص صغيرة بحجمها، عظيمة بمعناها، لتذكّرنا أن القيم لا تزال حيّة، وأن التربية حين تصيب غاياتها تُنبت أفعالًا تُشبه الضوء.
في مدرسة محمد جبارة الثانوية بنات بمدينة كسلا، لم يكن التكريم حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل رسالة تربوية مكتملة الأركان. زيارة الدكتورة آمال عثمان، مدير المرحلة الثانوية بالولاية، جاءت محمّلة بدلالات إنسانية عميقة، لتحتفي بسلوكٍ صادق سبق الكلمات، وقدّم درسًا عمليًا في الأمانة والنزاهة.
الطالبة مناسك عيسى جراهام، ابنة غفير المدرسة، عثرت على هاتفٍ محمول باهظ الثمن خارج أسوار المدرسة. لم تتردّد، ولم تُساومها المغريات، بل اختارت الطريق الأقصر إلى الضمير؛ سلّمت الهاتف لإدارة المدرسة، لتبدأ رحلة البحث عن صاحبه، وتنتهي بإعادته إليه، كما خرج من يده أول مرة. فعلٌ بسيط في شكله، عميق في معناه، يُعيد تعريف البطولة بعيدًا عن الضجيج.
وقفت الدكتورة آمال عثمان أمام هذا الموقف باعتباره نموذجًا تربويًا مكتملًا، يجسّد ما تسعى إليه العملية التعليمية من غرسٍ للقيم الدينية والوطنية، مؤكدة أن المدرسة ليست مكانًا لتلقّي المعارف فحسب، بل فضاءً لتشكيل الضمير. وفي لحظة امتزج فيها الفخر بالامتنان، أعلنت عن قرارات تكريمية غير مسبوقة، حملت بعدًا رمزيًا وتربويًا لافتًا:
أن يُسمّى الفصل باسم الطالبة «الفصل الثالث – مناسك»، وأن تُعفى من الرسوم الدراسية ورسوم امتحانات الشهادة، مع إعداد لوحة تعريفية تخلّد قصتها داخل الفصل، لتتحوّل الحكاية إلى ذاكرة حيّة تتناقلها الأجيال.
لم يكن التكريم موجّهًا لمناسك وحدها، بل لأسرتها، ولإدارة المدرسة، ولكل من آمن بأن القيم تُكتسب بالفعل قبل القول. كما حملت الزيارة تحيات مدير عام وزارة التربية والتوجيه، الوزير المكلف الأستاذ عثمان عمر عثمان، الذي عبّر عن فخره البالغ بهذا النموذج، مؤكّدًا عزمه على زيارة المدرسة تكريمًا للطالبة.
في هذا المشهد، بدت الأمانة لا كقيمة مجرّدة، بل كسلوكٍ قابل للتعلّم والاقتداء. وبدت المدرسة، مرة أخرى، بوصفها المصنع الحقيقي للمجتمع، حين تنجح في تخريج نماذج تُعلّمنا أن النزاهة لا تحتاج إلى منصب، وأن الأخلاق الرفيعة قد تسكن قلب طالبة، فتُربك المشهد كله… بالجمال.











