الرشيد أمبدي يكتب : السعودية ومصر والسودان وأمن البحر الأحمر

محددات ومهددات الأمن القومي في البحر الأحمر لمصر والسعودية والسودان في ضوء الحربين اليمنية والسودانية (تحليل استراتيجي حتى ديسمبر 2025)
أولاً: مقدمة عامة
يُعد البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط بين البحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس والمحيط الهندي عبر مضيق باب المندب. تمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية وأكثر من 6 ملايين برميل نفط يومياً (وفق تقارير International Maritime Organization وEnergy Information Administration، 2024).
تتقاطع في هذا الإقليم مصالح قوى إقليمية (مصر، السعودية، السودان، اليمن، إريتريا، جيبوتي) ودولية (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، إيران، تركيا، إسرائيل).
منذ اندلاع الحرب اليمنية (2015) والحرب السودانية (2023)، تصاعدت أهمية البحر الأحمر كجبهة أمن قومي مباشرة للدول الثلاث: مصر، السعودية، السودان.
ثانياً: محددات الأمن القومي في البحر الأحمر
1. المحددات المصرية
أمن قناة السويس: يمثل البحر الأحمر الامتداد الجنوبي للأمن القومي المصري، وأي تهديد في باب المندب ينعكس مباشرة على الملاحة في القناة.
التحكم في الممرات البحرية: القاهرة تعتبر حرية الملاحة في البحر الأحمر خطاً أحمر، وتعارض أي وجود عسكري أجنبي غير منسق إقليمياً.
التحالف مع السعودية: مصر ترى في التنسيق مع الرياض محوراً أساسياً لضمان أمن البحر الأحمر، خاصة بعد تأسيس مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن (2020).
التهديدات غير التقليدية: مثل الإرهاب البحري، تهريب السلاح من اليمن والسودان، والهجرة غير الشرعية.
2. المحددات السعودية
حماية الموانئ والمنشآت النفطية: جدة، ينبع، والوجه تمثل شرايين اقتصادية حيوية.
أمن باب المندب: المملكة تعتبر السيطرة الإيرانية أو الحوثية على المضيق تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
التحالفات البحرية: السعودية تقود مبادرات لتشكيل قوة بحرية إقليمية مشتركة، وتنسق مع الولايات المتحدة وفرنسا في مراقبة الملاحة.
الاستثمار في الساحل الغربي: مشاريع نيوم وأمالا والوجه الجديد تجعل من البحر الأحمر محوراً للأمن الاقتصادي.
3. المحددات السودانية
السيادة على الساحل السوداني: يمتد لأكثر من 700 كم، ويُعد المنفذ البحري الوحيد للسودان.
الاستقرار الداخلي: الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع (منذ أبريل 2023) جعلت الساحل هدفاً استراتيجياً لأي نفوذ خارجي.
التوازن بين القوى الدولية: الخرطوم تحاول الموازنة بين روسيا، الولايات المتحدة، والسعودية لتجنب الاصطفاف.
الأمن الغذائي والتجاري: الموانئ السودانية (بورتسودان، سواكن) تمثل شرياناً حيوياً لواردات البلاد.
ثالثاً: مهددات الأمن القومي في البحر الأحمر
1. الحرب اليمنية
تهديد الملاحة في باب المندب: هجمات الحوثيين على السفن التجارية (2023–2025) باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ مضادة للسفن.
الوجود الإيراني: دعم طهران للحوثيين يمنحها نفوذاً بحرياً غير مباشر في البحر الأحمر.
تدويل الصراع: تدخل الولايات المتحدة وبريطانيا في عمليات بحرية مثل Prosperity Guardian (2024) زاد من عسكرة الممر.
2. الحرب السودانية
خطر تفكك الدولة: أي انهيار في السودان يفتح الباب أمام قوى خارجية للسيطرة على الموانئ.
تهريب السلاح والبشر: ازدياد نشاط شبكات التهريب عبر الساحل السوداني.
احتمال تدخلات أجنبية: تقارير Crisis Group وChatham House (2024–2025) تشير إلى اهتمام روسي وإماراتي وتركي بموانئ السودان.
3. التنافس الدولي
الوجود الروسي المقترح في بورتسودان:
موسكو تسعى منذ 2017 لإنشاء قاعدة لوجستية بحرية بطاقة 300 جندي وسفن نووية.
المشروع جُمّد بعد الحرب السودانية، لكن روسيا أعادت طرحه في 2024 عبر اتصالات مع الجيش السوداني.
الولايات المتحدة والسعودية ومصر تعارضه لأنه يفتح الباب لوجود عسكري دائم لروسيا على البحر الأحمر.
موقف مصر والسعودية: رفض أي وجود عسكري روسي أو غير عربي دون تنسيق إقليمي.
موقف السودان: منقسم؛ الجيش يميل للتعاون مع موسكو كورقة ضغط، بينما القوى المدنية ترفضه خشية العزلة الدولية.
4. التهديدات غير التقليدية
القرصنة، الإرهاب البحري، التلوث البيئي، والهجرة غير الشرعية.
تصاعد نشاط جماعات مسلحة في شرق السودان واليمن يهدد أمن الموانئ.
خامساً: الاتجاهات المستقبلية حتى ديسمبر 2025
تعزيز التحالف المصري–السعودي في إطار مجلس البحر الأحمر لمواجهة النفوذ الإيراني والروسي.
محاولات روسية مستمرة لإحياء مشروع القاعدة في بورتسودان، لكن دون تنفيذ فعلي بسبب الحرب السودانية.
تزايد عسكرة البحر الأحمر مع استمرار عمليات التحالف الدولي ضد الحوثيين.
احتمال بروز محور عربي–أفريقي (مصر، السعودية، السودان، جيبوتي، إريتريا) لتأمين الممرات البحرية.
تنامي الدور الصيني الاقتصادي عبر مبادرة الحزام والطريق، دون تدخل عسكري مباشر.
سادساً: أهم المراجع والمصادر (حتى ديسمبر 2025)
International Crisis Group: Sudan and the Red Sea, 2024
Middle East Institute: The Red Sea Geopolitics after Yemen War, 2025
RAND Corporation: Maritime Security in the Red Sea, 2024
Arab Center for Research and Policy Studies: البحر الأحمر والأمن الإقليمي، 2023
Egyptian Council for Foreign Affairs Reports, 2024
Saudi Center for Strategic Studies: أمن البحر الأحمر، 2025
UN Panel of Experts on Yemen Reports, 2024–2025
EIA & IMO Maritime Data, 2024–2025
خلاصة:
الأمن القومي في البحر الأحمر لمصر والسعودية والسودان أصبح أكثر تعقيداً بعد الحربين اليمنية والسودانية. التهديدات لم تعد فقط عسكرية، بل تشمل النفوذ الدولي، الإرهاب البحري، والاضطرابات الداخلية. الدول الثلاث تتفق على رفض أي وجود عسكري روسي أو غير عربي غير منسق، وتعتبر أمن البحر الأحمر جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي المباشر.





