آراء ومقالات

مصعب رشاش يكتب : في حضور الحديقة غاب تومي الليلة يا حبايب 

Rushash72@gmail.com

بينما كان العازف ( ارتور روبنشتاين ) يعزف مقطوعة من أعمال الموسيقار الأسطوري ( موتزارت ) , قفز العالم الشهير البرت اينشتاين من مقعده فجأة و هرول ليعانق العازف آرتور و يقول جملته الشهيرة : ( الآن تأكدت تماماً أن الله موجود ) . حدث ذلك لأن اينشتاين كان يؤمن بوجود انسجام رياضي و جمالي و إبداعي يحكم نظام الكون . و لذلك كان يطلق على ذلك النظام الكوني الدقيق اسم ( الحديقة ) . و في شيخوخته عندما سألته ممرضته عما إذا كان يعني بالحديقة الإله خالق الكون , رد قائلاً : ( الكون هو الحديقة . أما الله فهو الحدائقية ) . و اينشتاين الذي تعلم العزف على الكمان في سن الخامسة قال فيما بعد بأن النظرية النسبية خطرت له عن طريق الحدس الموسيقي أكثر من التفكير الرياضي . و قال أنه لو لم فيزيائياً لكان موسيقياً .

و قبل سنوات قدمت قناة النيل الأزرق إمرأة فرنسية بيضاء كانت تجلس إلى جانب زوجها السوداني و تحكي قصة زواجها منه . قالت أنها , منذ سنوات , حضرت حفلاً موسيقياً في هولندا لمغني إفريقي اسمه ( عبد القادر سالم ) قدم من بلد اسمه السودان . تلك كانت المرة الأولى التي عرفت فيها أن هناك دولة اسمها السودان . و من حينها اشتعل بداخلها حب و شغف بذلك البلد و ذاك الفنان لدرجة أنها أخذت تبحث عن رجل سوداني لتتزوجه . حتى انتهت رحلة بحثها بزواجها من الرجل السوداني الذي كان يقعد إلى جانبها في ذلك اللقاء .

لقد ظللنا نصف الفنانين العظام بأنهم سفراء لشعوبهم و مناطقهم في البلدان الأخرى . غير أن الأمر أكثر تعقيداً في حالة شخص مثل الدكتور عبد القادر سالم . فعبد القادر سالم خلال رحلة امتدت لعقود طويلة التزم فيها الصبر و المثابرة و التجويد و الكد و البذل و التعلم و التطور استطاع أن يغرس من إبداعه شجيرة ورد يانعة في قلب الحديقة . صار إبداعه فيها كالفل الذي يفضح الحديقة ليلاً بورده ناصع البياض . لم يقلد أحداً بل قدم إبداعاً فريداً خاصاً به .

قدم عبد القادر نموذجا إبداعياً متفرداً عابراً للحدود . نموذج لا ينسى , بل يعلق بوجدان كل انسان يسمعه للمرة الأولى مهما اختلفت جنسيته , لغته , ثقافته أو بلده . نموذج مرتبط بالمكان , نجوم الليل , الرمال , الرهيد , الودي , القويز , و منسجم مع الحياة البرية , الوزين , الغزال , قمارينا , و منفعل و متفاعل مع الإنسان و كيميائه , كلام الريد , حبل الصبر , الحنين , نار الغرام . نموذج متجذر في الموروث الثقافي العتيق . و لذلك أغنيات عبد القادر و موسيقاه و ألحانه ترسم في الخيال لوحة إبداعية كاملة للحديقة الكونية الزاهية .

و عندما سئل الشيخ محمد متولي الشعراوي يوماً عن موقع الغناء من الحلال و الحرام قال : ( الغناء كلام , طيبه حلال و خبيثه حرام ) . و الغناء أصله شعر . و الطيب من الشعر ظل عبر التاريخ يؤدي دوره العظيم في شحذ الهمم و صيانة القيم و التعبير الرائع عن مكامن الحسن و الجمال في الحديقة الكونية. و ذلك يقود إلى النظر و التأمل في بديع صنع الخالق مثل قول ابن خفاجة الذي لقب ب( جنان الأندلس ) :

لله نهرٌ سال في بطحاء ِ … أحلى وروداً من لمى الحسناءِ

متعرجٌ مثل السوار كأنه … و الزهرُ يكنفه مجرُ سماءِ

و الشعر و الموسيقى و الفن و الإبداع عموماً من الأدوات الأساسية التي ظلت تدعم تطور الإنسان فكرياً و مادياً و ثقافياً . و الموسيقى تعمل على تنشيط مراكز العاطفة و الإنتباه مما يعزز القدرة على التعبير و الإبتكار . و قد أثبتت دراسات حديثة أن الموسيقى تحفز التواصل بين نصفي الدماغ مما يدعم الإبداع و تطوير الأفكار و حل المشكلات .

و الإبداع عموماُ هو ما يجعل الإنسان كائناً متفرداً . فالبشر كائن يتفرد بقيمة الإبداع دون المخلوقات الأخرى لأنه يستطيع أن يختزن التجارب الحياتية و يكون في ذهنه معرفة تراكمية بخبرات أسلافه تحفزه على ابتكار أفكار و إختبار تجارب تحقق نتائج أفضل مما أنجزه الأسلاف . و لذلك كان الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي استطاع أن يؤسس حضارة و ظل يطورها . و الإبداع هبة الخيال الخصب . و الخيال هبة ربانية خص بها الله تعالى الإنسان دون سائر خلقه . و الخيال هو ما يمكن البشر من تصور واقع غير موجود في عالم الشهادة . و بالتالي يفكر بجدية في تحقيق ذلك الحلم المتخيل في الواقع . ذلك هو الميكانيزم الذي قيض للإنسان صنع الحضارة . و ذلك هو عين ما نفتقده الحيوانات التي تمارس حياتها بشكل غريزي . ترعى و تسعى إلى رزقها غريزياً و تكرر ما ظل يفعله أسلافها منذ الآف السنين . فهي لا تملك خيالا يصور لها حياة مختلفة فتصبو و تتوق إلى الوصول إليها.

تقبل الله الدكتور عبد القادر سالم في الأتقياء الأنقياء الصالحين .

زر الذهاب إلى الأعلى