نقر الأصابع – سراج الدين مصطفى يكتب : الطروب محمد ميرغني .. كلمات عابرة فى ذكري رحيله

رحل محمد ميرغني كما يرحل النوار خلسة… بصمتٍ يشبه طبعه، وبخفّةٍ تليق بفنانٍ ظلّ طوال حياته يتحاشى الأضواء المفتعلة ويبحث فقط عن ضوء الفن. رحل وهو يترك خلفه ظلالاً وارفة من الجمال، وتاريخا من الودّ والإنسانية قبل أن يكون تاريخاً من الغناء.
قبل أن أسترسل في الحديث عن سيرة هذا الفنان الكبير، لا بد من استدعاء موقف إنساني ظل محفوراً في الذاكرة، حكاه لي الأخ عبدالوهاب وردي. فقد كان محمد ميرغني يزور أسرة الفنان الكبير محمد وردي ــ إبان اعتقاله في زمن مايو ــ كل جمعة في منزلهم بحي الكلاكلة، ليأخذ الأسرة للتنزه في حدائق الخرطوم. كان يفعل ذلك بلا من ولا ضجيج، فقط إحساساً بالواجب ووفاءً لصداقة الفن. وبمرور الوقت أصبحت أسرة وردي تضعه في مقام الأب، ليس لأن العمر يمنحه هذا المقام، بل لأن أخلاقه وفعله الإنساني يمنحانه ما هو أرفع من كل الألقاب.
هذا الموقف، مقروناً بمهنة محمد ميرغني من(مدرس) وبسيرته، يشكّل تأصيلاً لفكرة “الإنسان الفنان”. وهو كان كذلك تماماً. ولعلني شخصياً عايشت ذلك عن قرب في بداياتي الصحفية، حين جمعتني الظروف بالثلاثي: الشاعر الراحل سعد الدين إبراهيم، والراحل محمد ميرغني، والشاعر محمد أحمد سوركتي أطال الله عمره. كنت أتردد بين منازلهم في الحلفايا والختمية والدروشاب، مثل لاجئٍ يبحث عن دفء، لكنهم كانوا يتسابقون لاحتوائي ومنحي مساحة من الإنسانية قبل النصيحة. لذلك ظل هذا الثلاثي محفوراً في القلب، ومحمد ميرغني في مقدمتهم بوضعية خاصة لا تزول.
ولأن الحديث عن محمد ميرغني لا يكتمل دون الإشارة إلى تكوينه الفني، فقد كان يقول مازحا وجادا في آن واحد بأنه “خريج جامعة أحمد المصطفى الفنية والأخلاقية”. هذه الجملة تلخص تكوينه الرفيع فنٌ راقٍ، وأخلاق رفيعة، وتراتبية صارمة للذوق والجمال. تميز ميرغني بسيرة فنية ناصعة تجمعت فيها كل خيوط الإبداع اختيار النصوص الشعرية بعناية، والألحان المصقولة التي كانت في معظمها من شريكه الإبداعي الموسيقار الراحل حسن بابكر.
وكانت تلك الثنائية واحدة من أبهى ما مرّ على الغناء السوداني. بدأت في العام 1964 بأغنية “الشوق والحبيب” الشهيرة بمقطعها الأول “أنا والأشواق” من كلمات السر دوليب. وقدمت هذه الأغنية “ميرغني محمد المعروف” إلى الشعب السوداني، ليصبح بعدها واحداً من أعمدة الفن الراسخ. كان صوته يحتشد بـ”عصافير التطريب”، صافي الطبقة، عميق الإحساس، وممتلئا بطاقة أدائية جعلته متربعاً على قمة الغناء لعقود كاملة.
ظل محمد ميرغني يسير في الفن بخطوات ثابتة، وأغان صالحة للتداول مدى الحياة، لا يبهت لمعانها ولا يشيخ صوتها. ومع رحيله في مدينة ود مدني العام الماضي، أغمضت الأغنية السودانية عينها لحظة، حدادا على صوت كان جزءا من وجدان الناس. لكنه رحيل لا يطفئ الأثر، بل يضيئه أكثر، لأن الجمال الحقيقي لا يموت… فقط ينتقل إلى ذاكرة الوطن.
هكذا يمضي محمد ميرغني… كما يليق بفنان كبير هادئا، نبيلا، وعابقا بالأثر.






