حديث المدينة - عثمان ميرغني يكتب : هجليج..
لم يكن مفاجئًا دخول قوات الدعم السريع إلى منطقة هجليج الاقتصادية الاستراتيجية. فقد رجَّحت إرهاصات تحولات ميادين العمليات العسكرية مثل هذا التطور، واستبقته الحكومة السودانية – بتنسيق مع حكومة جنوب السودان على أعلى مستوى – هذا السيناريو، فانسحب اللواء 90 بكامل سلاحه ومعداته عابرًا الحدود إلى ولاية الوحدة بدولة جنوب السودان.
على الفور بدأت ترتيبات انتشار جيش جنوب السودان في المنطقة لتأمين المنشآت النفطية الحساسة التي تُعالج وتضخ إنتاج السودان وجنوب السودان معًا.
حقول هجليج تنتج النفط السوداني، وتستقبل أيضًا خام نفط الجنوب للمعالجة ثم ضخه عبر أنبوب واحد يحمل إنتاج السودان (حوالي 20 ألف برميل يوميًا) وجنوب السودان (حوالي 80 ألف برميل يوميًا) إلى ميناء بشائر على ساحل البحر الأحمر للتصدير.
ولخطورة توقف ضخ النفط – لأنه يؤدي إلى انسداد الأنبوب – حرص البلدان على استمرار تدفقه بمعزل عن التطورات العسكرية الميدانية.
يتأثر السودان كثيرًا بهذه التطورات بفقدانه السيطرة على إنتاج النفط من حقول هجليج، ويدخل عنصر جديد في المعادلة هو قوات الدعم السريع.
خطورة هذه التطورات تتجاوز تأثيراتها الاقتصادية، لكونها ترفع سقف مطالب الدعم السريع في أية مفاوضات متوقعة، كما ترسخ مزيدًا من الانفصال الجغرافي في إقليمي كردفان ودارفور.
خيارات الحكومة السودانية تزداد ضيقًا وتعقيدًا. الحلول نفسها التي كانت متاحة مجانًا في يوم سابق تكتسب اليوم ثمنًا مضاعفًا، بل أحيانًا تخلق واقعًا ربما لا يمكن استدراكه أو تصحيحه.
الذي يزيد الوضع خطورة هو الفراغ الذي تنظر فيه الحكومة السودانية وتنتظر.. بلا تخطيط ولا بصيرة تتحرى الخيارات الاستراتيجية التي لا تنقذ السودان فحسب، بل تصنع له مستقبلًا آمنًا يتجاوز الفشل المزمن منذ الاستقلال.
ليس للحكومة خطة سلمية موازية تسعى للوصول إلى الأهداف الوطنية بمسار أقل تكلفة وخشونة. بل تختصر القرار في شحنات من الشعارات والهتافات لا تغير الواقع، وتناهض كل صوت يدعو إلى الحلول السلمية.
السودان في محنة حقيقية أكبر من محنة الحرب نفسها: غياب الدولة بمعناها المؤسسي، واحتكار تقرير المصير الوطني لدى سلطة ضيقة مختزلة في رجل واحد، محاط بدوائر تفخيخ التفكير بأوهام الأماني.
مثل هذا الحال – بكل أسف – لن يمضي بعيدًا. في كل يوم تشرق فيه الشمس يتلاشى سرابه، ولكن معه يتلاشى الوطن أيضًا.
المطلوب الآن، وقبل فوات الأوان، إنقاذ بلادنا من التخبط واحتكار القرار وغياب المؤسسات.





