عبدالجليل سليمان يكتب : البرهان: الجنرالُ الذي عَشِقَ الخرابَ حتى صارَ يُشبِهُه
لم يَعُدِ البرهانُ في خيالِ السُّودانيينَ جنرالًا من لحمٍ ودَم، بل كائنًا ينهضُ من غبارِ الثكناتِ كما تنهضُ العواصفُ من شقوقِ الأرض.
رجلٌ يجرُّ خلفه ظلًّا طويلًا من العطب، كأنَّ خُطاهُ وُلِدَت لِتَجرَحَ الزمن، وكأنَّ كلَّ صباحٍ يخرجُ من مِعطفِه ليزرعَ في البلادِ نَدبةً جديدة. لم يَصِل إلى السلطة؛ بل بدتِ السلطةُ كأنها انزلَقَت إليه، كما ينزلقُ نهرٌ مُضطربٌ إلى وادٍ مُهمل. ثم استيقظتِ البلادُ على رجلٍ يحاولُ قيادةَ الخرابِ كما لو كان يقودُ قطيعًا من الأشباح. شعبٌ يُقتَلُ ويُهجَّر، ومدنٌ تَذوي واحدةً بعد أخرى، فيما يزدادُ الرَّجلُ صلابةً في وهمِه، ويزدادُ عُزلةً في صوتهِ المُتعالي.
سيرةُ الغبار
وُلِدَ البرهانُ في الهامشِ العسكريِّ للبلاد، لا كجنديٍّ يحلمُ بترقياتٍ تُنقِذُه من الرُّتابة، بل كحُلمٍ مُبكرٍ للسلطةِ بلا ملامح. كان الطِّفلَ الذي يتأمّلُ السِّلاحَ كما يتأمّلُ غيرُه لُعَبَه، ثم شبَّ في مؤسسةٍ تُعلِّمُه أنَّ الطاعةَ أعلى من العقل، وأنَّ القوةَ أسمى من الدولة، وأنَّ الخوفَ مادّةٌ قابلةٌ للتشكيل. لم يترك خلفه أثرًا إلا ما يشبهُ علاماتِ الأقدامِ على الطين؛ قابلةً للمحو، لكنها لا تُنسى حين يجفُّ الطينُ ويصيرُ صلصالًا مُتَشقِّقًا.
جيوشُ الظل
دخل البرهانُ دهاليزَ الجيشِ كأنها متاهةٌ كُتِبَت عليه وحده. وحين بلغ قمّةَ المؤسسة، لم يَرَ فيها جيشًا واحدًا، بل مرآةً تُعيدُ له صورتَه مضخَّمة. فأنشأ جيوشًا صغيرة تدينُ له بالولاء؛ خلايا موازية تنمو في ثقوبِ النِّظام، كما تنمو الفطرياتُ على جدرانٍ أهملها الضَّوء. كان يظنُّ أنه يُمسِكُ مفاتيحَ القوة، بينما لم يكن يُمسِكُ إلّا بمفاتيحِ الفوضى.
مَرفَأُ المِلح
في بورتسودان، حيثُ تجمّعت الحكومةُ المنفيّةُ في مدينتِها الأخيرة، بدا البرهانُ كبحّارٍ عجوزٍ يحكمُ سفينةً من الأمواجِ الميّتة. مدينةٌ كان يمكن أن تكونَ ملاذًا، فإذا بها تتحوّلُ تحت يدِه إلى مرفأٍ من الملح؛ كلُّ ما يلمسُه يتبلورُ خارجَ الحياة، وكلُّ من يقتربُ من دوائرِ حكمِه يشعر أنَّ الهواءَ أثقل، وأن البحرَ نفسه ينكمش. في ذلك المرفأ، لم تُبنَ دولة، بل خيمةٌ كبيرةٌ من الأوامرِ المرتجفة، وفضاءٌ تُديره نوباتُ الغضب أكثرَ مما تُديره أيُّ بوصلةٍ سياسية.
وَهمُ العرش
لم يكن البرهانُ يواجهُ حربًا، بل كان يواجهُ ظِلَّه. وحين اشتعلتِ البلاد، لم يبحثْ عن نجاةٍ للسودانيين، بل عن انتصارٍ شخصيٍّ يُشبهُ السَّراب. سقطتِ المدنُ كما تسقطُ أطرافُ شجرةٍ مسحورة، واحترق الناسُ بين نيرانٍ لا يعرفون كيفَ شبّت ولا لِمَ استمرّت. ملايينُ نزحوا، ومئاتُ الآلافِ ابتلعهم الجحيم، بينما ظلَّ يتحدثُ بنبرةِ المنتصر، كأنَّ الخرابَ وِسامٌ يُعلَّقُ على صدرِه لا وصمةٌ على جبينِه.
كانت البلادُ تحتاجُ قائدًا، لكنَّها حصلت على رجلٍ يفرُّ من الحقيقة كما يفرُّ الظلُّ من الضوء.
مرآةُ الخراب
ومع كلِّ يومٍ تدورُ فيه الحربُ كطاحونةٍ عمياء، يتبيّن أنَّ الجنرالَ لم يكن يُديرُ دولةً قط، بل كان يُديرُ خيالًا مُعتِمًا يسكنُ رأسَه. خيالٌ يخلطُ بين العرشِ والمقعد، بين القيادةِ والعِناد، بين الوطنِ والغنيمة. وفي النهاية، لم يبقَ من الرجلِ إلّا مرآةٌ تُجسِّدُ ما فعله بالبلاد: أرضٌ محروقة، وشعبٌ مشرَّد، وجثمانُ دولةٍ كانت يومًا تُسمّى السُّودان.






