هل ينهار اقتصاد السودان مع هجرة الشركات الكبرى؟

تقرير ـ علاء الدين عبدالله
تواجه البيئة الاقتصادية في السودان واحدة من أكثر مراحلها قتامة منذ اندلاع الحرب في 15أبريل 2023. فمع تفاقم الكارثة الإنسانية، تشهد الساحة الاستثمارية موجة غير مسبوقة من هجرة رؤوس الأموال والشركات الكبرى، في مشهد يهدد ما تبقى من الأعمدة الاقتصادية للدولة. الحرب، وتعقيدات السياسة، والصراع على الشرعية، كلها تضافرت لتشكل بيئة طرد استثماري دفعت حتى أكبر اللاعبين العالميين إلى المغادرة.

انسحاب العمالقة… CNPC تطوي صفحة ثلاثة عقود
يشكل خروج الصين الوطنية للبترول (CNPC) من السودان أحد أخطر المؤشرات على الانهيار الاقتصادي الوشيك. فالسودان كان أول منصة انفتاح دولي للشركة قبل نحو ثلاثة عقود، ومختبرها الأصعب، حتى أصبحت تجربتها السودانية شعاراً: “إذا نجحت في السودان… ستنجح في أي مكان آخر”.
ورغم نجاحها في تطوير حقول معقدة مثل مربع 6 (أبوجابرة)—الذي رفضته شيفرون لوعورته—وصمودها سابقاً أمام تحديات أمنية وصلت لحد اختطاف مهندسيها في دارفور، لم تستطع الصمود أمام الحرب الحالية.
دُمّرت منشآتها في بليلة بالكامل تقريباً بفعل الفوضى التي خلّفتها قوات الدعم السريع.
تعامل سياسي طارد من حكومات ما بعد الثورة، إذ اعتُبرت الشركة محسوبة على النظام السابق، ما أفقدها الثقة في السوق.

بتروناس… عندما يكون الصراع السياسي أخطر من الحرب
انسحاب الشركة الماليزية بتروناس كان ضربة مؤلمة لمناخ الاستثمار. قرار لجنة إزالة التمكين بمصادرة مقرها المطل على شارع النيل مثّل نقطة اللاعودة بالنسبة للشركة، التي رأت في الخطوة اعتداءً مباشراً على حقوق المستثمرين.
كما انسحبت الشركة من جنوب السودان بفعل الفوضى السياسية وانعدام الأمن، ما يعكس هشاشة الإقليم بأكمله أمام الحروب والصراعات.
الدلالات الكارثية… خسارة من يصنع القيمة
يأتي خروج هذه الشركات في أكثر الأوقات التي يحتاج فيها السودان إلى الاستثمارات الأجنبية لإعادة تشغيل:
الحقول النفطية
خطوط الأنابيب
موانئ التصدير
المصافي
المستودعات
محطات التوليد الحراري التي دمرتها الحرب
ويحذر خبراء في الاقتصاد من أن عودة مثل هذه الشركات—إن حدثت—لن تكون بذات الشروط السابقة، بل بشروط أقل فائدة بكثير للسودان، وبمخاطر أعلى وأسعار أغلى.
ويبقى انسحاب CNPC بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الاستثمار، دليلاً على فشل ذريع في تأمين البيئة الاقتصادية، ويهدد مستقبل قطاع الطاقة والقدرة على التعافي الاقتصادي لسنوات طويلة.
ما وراء المشهد
إن موجة انسحاب الشركات الكبرى من السودان ليست مجرد حدث اقتصادي عابر، بل مؤشر على تحوّل استراتيجي عميق في نظرة المستثمرين لمستقبل البلاد. فخروج CNPC وبتروناس، وهما من أكبر اللاعبين في قطاع الطاقة في إفريقيا وآسيا، يعكس انهياراً خطيراً في منظومة الثقة التي بُنيت عبر ثلاثة عقود. ومع تآكل البنية التحتية النفطية وتراجع قدرة الدولة على حماية الاستثمارات، يصبح التعافي الاقتصادي أكثر صعوبة وتعقيداً.
وفي ظل استمرار الحرب، وانقسام السلطة، وغياب رؤية اقتصادية موحّدة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:
هل يستطيع السودان استعادة ثقة المستثمرين وإعادة بناء قطاع الطاقة… أم أننا نقترب من نقطة اللاعودة في مسار الانهيار الاقتصادي؟












