آراء ومقالات

حديث المدينة – عثمان ميرغني يكتب : بين ترمب.. والبرهان..

روبيو، وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، قال إن الرئيس ترامب سيتولى – شخصيًّا – ملف السلام في السودان.
فيصبح السؤال: في السودان نفسه، من يتولى ملف السلام؟

من العجب أن يكون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مهتمًّا بالسلام في السودان لدرجة أن يمسك بنفسه بإدارة دفة مساعي إنهاء الحرب وتحقيق السلام في السودان، بينما في السودان المكتوي بنارها – والذي تشرد داخليًّا وخارجيًّا أكثر من نصف شعبه، وتنزف فيه الدماء، وتُدمَّر المنشآت، وتتعطل الزراعة والصناعة والتعليم والصحة وسائر الأعمال – لا أحد مسؤول عن السلام، بل إن مجرد ذكر كلمة «السلام» أصبح أقرب إلى النطق بكلمة الكفر!

أية دولة في العالم هي المسؤول الأول عن شعبها ومصالحه واستقراره.
قد يساعدها الآخرون من مبدأ الشراكة في هذه الكرة الأرضية، لكن لا يمكن تصور دولة ليست معنية بسلام شعبها، وتنتظر المبعوثين والمبادرات والمؤتمرات والدعوات لاجتماعات خارجية، ثم تتعامل معها بعد كل ذلك كما يفعل الزبون الذي يدخل المطعم ويطلب «المنيو» ليختار وجبته.

لماذا لا تشكِّل الدولة هيئة مستقلة رفيعة المستوى معنية ومختصة فقط بشؤون السلام بمعناه الواسع الشامل، تجمع لها خبراء الاستراتيجية والتفاوض ومختلف التخصصات ذات الصلة؟

هيئة تتفرغ كليًّا لدراسة الخيارات الاستراتيجية التي تحفظ أمن الوطن والمواطن وسلامتهما، وتدير المفاوضات مع الجهات الدولية والإقليمية المرتبطة بمساعي السلام، وتصمم الخطاب العام للدولة في السياق المتعلق بصناعة السلام وتحقيق الوئام الوطني.

الدول الرشيدة تستثمر خبرات وعقول بناتها وأبنائها، وتعزز مؤسسات بناء وصناعة القرار، وتلتزم بالمؤسسية في كل خطواتها؛ لأن ذلك أفضل الطرق لتمتين حاضر الدولة ومستقبلها.

لكن أن تُختصر الدولة في شخص أو اثنين أو ثلاثة، وتتحول بقية مؤسسات وقيادات الحكومة إلى مجرد «كورال» يردد وراء المغني اللحن الذي يمليه عليهم، فإن ذلك يُضعف جسد الدولة ويجعل كل قرار تتخذه مشروع خطر قد يصيب أو يخيب.

تجريف مؤسسات الدولة وحصر القرار في دائرة قطرها رجل واحد مؤشر خطير على مآلات الأوضاع. فمهما بلغ الرشد والذكاء في أحد، لن يستطيع أن يتقمص مبدأ الحلاج فيقول: «أنا الدولة والدولة أنا».

من الحكمة أن يعلن الرئيس البرهان قرارًا رئاسيًّا بتشكيل «هيئة السلام» مستقلة تمامًا عن مجلس السيادة ومجلس الوزراء، تتبع للبرلمان إذا وُجد، وتتولى ملف السلام في السودان بمعناه الشامل: من مفاوضات ومساعٍ ومبادرات إيقاف الحرب، وتمتد سلطتها إلى التخطيط لإرساء مجتمع الوئام لا الكراهية في السودان.

زر الذهاب إلى الأعلى