في اليوم العالمي للإعاقة – أبوذر الشعراني يكتب : مَنْ قال أنّ الأعْمى لا يَرى إلَّا سوادًا ؟!

في اليوم العالمي للإعاقة أو “ذوي القدرات الخاصة” والذي يصادف الثالث من ديسمبر من كل عام خصصته الأمم المتحدة للإحتفاء بهم، وذلك لإبراز أدوارهم ومقدراتهم، وتوعية العالم بحقوقهم .. أعيد إليكم ما كتبته عن أستاذي بقسم الصحافة والنشر، كلية علوم الاتصال، جامعة السودان حينما كان يمشي بيننا ببصيرة نافذة، وذاكرة متقدة، وروح عبقرية. الأستاذ الدكتور / محمد سعيد عمر حاج الطيّب، سفير الإعاقة البصرية، لك عاطر التحايا والحب والاحترام، وكل عام وأنت بخير.
دكتور محمد سعيد .. بقيت لي سكّة وعيون!!
الصمود والقتال والإيمان، وتحدي الدُنيا وتجاوزها إلى دار القرار، ذلك منطق نبع من الواقع ليزدهر في الفكر والعلم بصفاء وصبر وجهاد ؛ ذلكم هو الأستاذ الدكتور محمد سعيد عمر حاج الطيب سفير الإعاقة البصرية رجل تخطى وتجاوز مطبّات وحواجز الدنيا كأنه يراها، وقطع رحلة الحياة الطويلة وثباً وشغل مساحة أكبر مما كان متاحاً له، وأحدث في حدود العالم الذي يتحرك فيه ضوضاء عظيمة. صنع نفسه وعلمها ليعلّم الآخرين بعفة وأمانة وطهارة نفس، وكبرياء روح، وقناعة وإيمان بقضاء الله وقدره صقلته التجارب، وعاصر أحلك الليالي مروراً بفقدان أعز ما عند الإنسان وهو شاباً يافعًا في الخامسة عشرة من عمره، لم يشبع بعد من رؤية الدنيا ولم تكتمل عنده بعض المشاهد .
استيقظ محمد سعيد ذات صباح فإذا بظلام دامس احتل الكون بأقطابه الأربعة نسبة لما ظل يعاني منه (التصبُّغ الشبكي) وهو اضطراب وراثي يحدث للعين ويتسبب في فقدان الرؤية، فكانت الإعاقة أوّل امتحان له وهو في المملكة العربية السعودية فانتصر عليها وطوعها وحولها إلى شعلة تضئ له درب النجاح وبالفعل اقتحم سعيد مركز الشهادة السودانية بوادي الدواسر جالساً لامتحان الشهادة بكامل إرادته وقواه العقلية والجسدية ، لم يجزع ويبكي ويتوارى خلف الحيطان بل أنشد مثلما أنشد حبرُ الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس – رضي الله عنه – عندما ابتلاه الله بفقدان بصره :
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما
ففي لساني وقلبي منهما نــورُ
قلبّي ذكي وعقلي غير ذي دخـل
وفي فمي صارمٌ كالسيف مأثور
نجح محمد سعيد في أصعب امتحانات الدنيا، وثبت الله أقدامه بعد أن نصر الله بالصبر الجميل، وألقى ببصره إلى جوانب أخرى مشرقة ومزدهرة كان يراها بقلبه أقرب إليه من حبل الوريد، تحسس الرغبات الجامعية بعناية وإدراك ومرّ على جدار حجري عملاق أبدع في هندسته ورسم خرطته “الخديوي فابريكس باشا” وعلى إثر ذلك ملأ محمد سعيد رغباته الخمس بكلية الآداب جامعة الخرطوم، والتي فضّلها فيما بعد على الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة نسبة لارتباطات بينه والأسرة .
درس اللغة العربية والإعلام بكلية الآداب، وعاصر كوكبة من الأساتذة الأجلاء على رأسهم البروفيسور حسن محمد الزين أستاذ الإعلام الدولي، والدكتور الإذاعي صلاح الدين الفاضل والزين صغيرون والخبير الاقتصادي محمد الجّاك وفتح الرحمن محجوب وغيرهم .. تخرج من الآداب حاصلاً على مرتبة الشرف في الإعلام ومباشرة حضّر لدراسة الماجستير والدكتوراه ونالها عن جدارة واستحقاق .
شغل الدكتور محمد سعيد عدة مناصب رفيعة وحساسة وكان على قدر التحدي في العام ٢٠١٣م تم استيعابه لمنصب مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة والمراسم بوزارة الشباب والرياضة ولاية الخرطوم وقبل أن يجئنا دكتور سعيد أستاذاً مساعداً في قسم الصحافة والنشر بجامعة السودان درّس المواد الإعلامية والصحفية بقسم علوم الاتصال بالجامعة الأهلية، وتعاون مع عدد من المحطات الإذاعية فيما يتعلق بالإعاقة وله فقرة ببرنامج بيتنا بالتلفزيون القومي يتحدث فيها عن ” الأشخاص ذوي الإعاقة ” .
تزوج محمد سعيد من زميلته بالآداب الأستاذة عُلا محمد الطيّب، إيماناً منه (بجكس الجامعة) وتلك العبارة ظلّ يرددها كثيراً، لم نأخذها بمحمل الجد إلا بعد أن التقينا بأم همس ، وكانت – ما شاء الله – امرأة ذكية نابهة درست اللغة الألمانية واتقنتها مثل “أنجيلا ميركل” المستشارة الألمانية ومن خلالها علمتُ أن في القلب عيون ترى الأشياء على حقيقتها ظاهرياً وباطنياً وأن مقولة (الشوف بالقلب) لم تكُن عند محمد سعيد مقولة عابرة وكفى ؛ بل كانت مجموعة من المعاني والأحاسيس المرهفة حتى انتابني فضول عجيب وشغل بالي سؤال كبير، ظلت فكرة طرحه تراودني لزمن حتى أشرقت الأرض بنور ربها وابتسم الصباح سألته : أنت يا دكتور ؛ أم همس دي شفتها بقلبك ولا بي عيونك ؟!
لم تكُن الآداب عند محمد سعيد مجرد جامعة، بل شيء عظيم يحبه ويعطف عليه زرناها ذات يوم معاً، كان يحتضنها بطريقة ما ويستنشق عبيرها، توقف أمام مكتبة البروفيسور عبدالله الطيب، ونظر إليها كأنه يراها ثم مضى إلى أن وصل قاعة “الغزالي” مرّ عليه أشخاص عرفهم وعرفوه افتقدهم وافتقدوه حتى عم إبراهيم تهلل وجهه طرباً لرؤيته احتضنه بشدة وكاد أن يُقبّل ما بين عينيه .. وعم إبراهيم هذا إنسان عجيب سألته كيف أخبار الجامعة ؟ احسست بمرارة اعتصرت حزنه ولخّص جملة حديثة في (راجعين وما بنخليها ليهم!) .
عرفت من دكتور محمد سعيد فيما بعد حكاية عم إبراهيم، وزادني من الشعر بيتاً ، أنت لو شفت عمك حسين تقول شنو ؟! والعم حسين متعه الله بنعمة العافية يعمل في الآداب منذ أن كان النميري في السلطة، يفصل ويعين على مزاجه، وكان شاهداً على دور الجامعة في ثورة (أبريل ١٩٨٥م) التي أطاحت بالنميري ، وكان طُلّاب الجميلة وقتها كالقطط نداء الحُرية عندهم أقوى من نداء الجوع .
كان عم حسين من بين القلائل الذين التف حوله الطلاب وأجمعوا على صدقه وحسن معشره وامتدت علاقته من الطلاب إلى أن وصلت عمداء الكليات ولا أحد درس الآداب لا يعرف عم حسين .. في الصباح تجده في كل شبر من الجامعة، وفي النهار ينطوي تحت أشجار الآداب مثل ثعبان الراصود حارس الكنوز والآثار، موجهاً ومرشداً للطلاب والمارة فهذا إنسان خصه الله لقضاء حوائج الناس.
خلال تنقلي معه .. لم يكن دكتور محمد سعيد – حسب وجهة نظري العوراء – إنساناً طبيعياً كسائر البشر يصلي ويصوم وينام ويتنقل بحرية مطلقة، بل كنت أراه إنساناً خارقاً كيف له ركوب المواصلات ؟ والتنقل بين المحطات وقاعات الدراسة بكل يسر، واستخدام الهاتف بكل هذا الذكاء ؟ يتصل، ويستقبل، ويرسل الرسائل، ويبحث في قوقل ويدخل الفيس بوك والواتساب والتيلجرام دون مساعدة من أحد وأنا عندما يصيبني الذهول يقول لي عادي : ” الحمد لله التكنولوجيا ما خلت حاجة ، بس كيف الواحد يشغل مخه ” .
خلال تواجده معنا أستاذاً وأخاً وصديقاً، لم نكن نشعر بالإعاقة بقدر ما نراها في الدولة والبيئة المحيطة بنا، درست معه فنون التحرير الصحفي كان إنساناً عادياً يوصل لك المعلومة على طبق من ذهب ومن عجائب قدرة الله أنه ما أن سمع صوتي إلا وميزه من بين عشرات الأصوات والأعجب من ذلك قطع حديثه أثناء المحاضرة وقال لزميلتنا بالقسم : ما تنومي .. الليلة مالك نعسانة ؟ وقال لها موضحاً : ” أنا صحيح ما بشوق ؛ لكن بشوف !! ”
مثل تلك الأشياء تكررت معي كثيراً، خصوصاً عندما تنقلت معه لعدد من المواقع، وركبت المواصلات معه، وتحدثت إليه حتى صار بيني وبينه ما لا يسع قلب إنسان تحمله . في مرة ونحن على بعد خطوات من كلية الآداب أخرج من جيبه ورقة نقدية فئة الألف جنيه وقال لي : جيب لينا زلابية من عمك عبدالله / وعندما أصرّ علىّ أن يدفع، قلت له مستدرجاً :
” طيب إنت وقت بتدفع ، تدفع مائة جنيه // مائة دي بسوي شنو ؟! ”
ردّ بحزم : ” دا ألف يا زول !! ”
في الطريق كان مدركاً للاتجاهات مستشعراً لما حوله من أحداث ومناخ، وصفت له الأجواء وشعوري بكل شفافية وأظنه قد أدرك بعض المعاني والمهارة في وصفي للأشياء .. في مرة قال لي (صف فلان) رفضت ؛ خفت أن تتكسر بعض الصور الذهنية التي رسمها له خياله / قاطعته مقترحاً عليه دخول عالم الصحافة والكتابة على إحدى الصحف تحت زاوية راتبة بعنوان (الشوف بالقلب) يسرد من خلالها خواطر وذكريات وزملاء الإعاقة المشتتين في الأرض بين الجامعات والمرافق الصحية والخدمية والأسواق وحثهم على أشياء عظيمة وربطهم ببعض، وهناك من هم خلف الحيطان الأربعة يحتاجون إلى أمثالكم فأنتم سفراء للإعاقة عسى ولعل أن يكشف الله عن حكومتنا الحجاب وتلقي بنظرها عليهم ..
كان دائمًا ما يقول أن المجتمع السوداني مجتمع متسامح يقبل الآخر، ويحترم خصوصية الإعاقة لدرجة أنه يعطف عليهم بشيء من المال بعد تقديم المساعدة ويرى فينا الفضيلة والصلاح.. مثل تلك الأشياء أستاذي العزيز خصال حميدة موجودة منذ زمن، حتى في أشعار إسماعيل حسن (بلادي أمان وناسها حُنان يكفكفو دمعة المفجوع .. يبدو الغير على ذاتهم يقسمو اللقمة بيناتهم) وروايات الطيب صالح التي جسدها في شخصية (الزين) برغم دروشته إلا أنّ له صداقات مع من نعتبرهم (شواذ المجتمع) أمثال عشمانة الطرشاء وموسى الأعرج وبخيت الذي ولد وليست له شفة عليا وجنبه الأيسر مشلول كان الزين يحنو على هؤلاء القوم .
ويمضي دكتور محمد سعيد في تعريف الإعاقة على أنها جزء من التنوع في المجتمع مثلها مثل اختلاف الألوان والأجناس شيء من التعددية والإعاقة في هذا العصر ؛ هي إعاقة بيئية في المقام الأوّل، ولو مهدت لنا الدولة الأرض وغطت المنهولات تكون ما قصرت وجزاها الله عنا ألف خير . والحمد لله على نعمة التكنولوجيا كان لها دور كبير في تنمية قدرات المعاقين وجوّالي هذا كل شيء الآن بداخله، كُتبي مجلداتي بحوثي زملائي حتى أنه يحدد لي الاتجاهات ينطق الساعة والطقس والصفحات ويقرأ الرسائل ما الذي ينقصنا ؟! ”
وللأمانة في هذه اللحظة قررت بيني وبين نفسي أن اكتب، حتى ولو بضع كلمات إرضاءً لضميري على عطاء هذا الرجل والذين من حوله حتى لا تكون فوق العيون حجاب كما قال الشاعر :
كم من ضرير مبصر متوهج
يعطي ويعطي والمدى وهــّاب
وترى ألوف المبصرين بلا هدى
لكأنمــا فوق العيــون حــجاب






