آراء ومقالات

مسافات – جدية عثمان تكتب : «السودان… وطنٌ لا يبتعد»

لندن – 29 نوفمبر 2025

كانت السيارة تشق طريق العودة إلى بورتسودان ببطء يشبه تعب الأرواح، بعد أيام قضيناها بين مراكز الإيواء والتكايا نستمع لشكوى الناس، ونرى ما فعله الخراب بوجوههم وبيوتهم وأيامهم. لم تكن مجرد مهمة إعلامية؛ كانت رحلة إلى قلب الجرح السوداني المفتوح.

هناك، بين الأطفال الذين فقدوا ما تبقَّى من طفولتهم، والأمهات اللواتي يخفين خوفهن خلف ابتسامة لا تُقاوم طويلاً، والشيوخ الذين يحملون القهر في تجاعيدهم قبل كلماتهم… أدركت أن الحرب لم تُشعل الأرض فقط، بل أطفأت أشياء كثيرة في الداخل. ميليشيا عاثت في السودان فساداً وجَنَت على وطن لم يستحق هذا المصير. لكنه – رغم الجراح – واقف، محروس بقيادته العسكرية وحكومته، ومسنود بإرادة شعبه التي لا تنحني.

سرحتُ في تفاصيل حياة الناس: علاجٌ غائب، وتعليمٌ منهَدّ، وأفراحٌ اختنقت، ونزوح يجر خلفه مدناً كاملة فقدت أصواتها. ومع كل ذلك ينهض الناس كل صباح كأنهم يرفضون الهزيمة؛ يصبرون، يقاومون، ويحملون صورة للسودان كما يحب أن يكون: قوياً، معافى، شامخاً… لا منكوباً ولا مطأطئ الرأس.

على امتداد الطريق، كانت الأرض تتسطّح أمامي بصمتها الواسع. سمعت حفيف الرمال وكأن التراب يهمس بلغته القديمة: لهذه الأرض ذاكرة لا تُمحى. شعرتُ أن جذوري ممتدة في عمق هذا البلد الأسمر كأنني شجرة ترفض الفكاك.

وحين غادرتُ بورتسودان وودّعت الناس، كنت أردد في داخلي: “غداً نعود كما نود.”

رحلتُ إلى لندن جسداً فقط، أما السودان فحملته معي كما أحمل اسمي… فهو وطن لا يمكن تركه خلفك حتى لو ابتعدت آلاف الأميال. والغريب أن المسافة لا تُبعده عنك، بل تعيد رسمه في القلب ليصبح أوضح وأقرب.

في هذه الرحلة رأيت حكاية الإنسان السوداني وهو يحاول أن يعيش رغم التوتر والخوف. ومع كل ذلك يبقى نبض الحياة يتقدّم بلا استئذان، ويظل الإيمان ملاذ الناس، والصبر سندهم، والأمل جسرهم نحو الغد.

هذا البلد مجروح… نعم، لكنه شامخ، واقف بشعبه وبقيادته التي تصون وحدته. وسيظل حيّاً مهما حاولت الميليشيا أن تعصف به.

فالوطن لا يسقط… خصوصاً حين نحمله معنا أينما ذهبنا.

مسافات… جدية عثمان

لندن – 29 نوفمبر 2025

زر الذهاب إلى الأعلى