آراء ومقالات

مصعب رشاش يكتب : الاقتصاد السوداني .. قصة الخوف من الواضح الفاضح 

في زمان مضى فتح الله على أحد رجال بلدتنا الطيبين فاشترى جرار ( تراكتور ) . بيد أنه صار كلما وظف سائقاً لقيادته سرعان ما يتسلل إليه الشك في أن السائق يستغل الجرار لمصلحته الخاصة .

فصار إذا وجد سائقه في السوق يأكل سمكاً مثلاً يصيح بأعلى صوته : ( أقسم بدين الله الود ده أكلني ) فيطرده بدون أن ينتظر منه توضيحات أو تفسير . ثم يأتي بسائق جديد حتى إذا ما وجده ذات يوم في مناسبة عامة يرتدي جلباباَ جديداً يصيح كذلك بصوته الجهور دون تحري : ( أقسم بدين الله الود ده أكلني ) فينتزع منه مفتاح التراكتور و يطرده . و لذلك لم يستطع الإستمرار في استثمار التراكتور فباعه بأقل من رأس ماله ثم لم يتمكن من الاستثمار في أي نشاط آخر حتى أكل ثمن التراكتور .

من الملاحظات المدهشة في هذا البلد , و أنت حل بهذا البلد , أنه منذ سنوات أصبح مزاجنا العام مشككاً بل أحياناً عدائيا و غير متفاعل مع الكيانات و المؤسسات الدولية التي اجتمعت عليها الأمم ذات يوم من أجل تجسير العلاقات و تقنين و تطوير المصالح بين الشعوب . و العلة في تبني ذلك الموقف بحسب تقديري هي تصورنا التاريخي الراسخ بأن الآخرين يتآمرون علينا و يطمعون في أكل خيراتنا مثل صاحب ( التراكتور ) بالضبط .

فيما يلي من سطور سنتناول واقعاً مأساوياً و أرقام يشيب لها الولدان و مفارقات مذهلة محورها علاقة ثلاث دول و هي السودان , مصر و المغرب , بمنظمة التجارة العالمية و أثرها على اقتصادات تلك الدول .

أولاَ منظمة التجارة العالمية أنشئت عام 1995 في جنيف بسويسرا و تضم حتى الآن 164 عضواً . و أنشئت بهدف تسهيل التجارة بين الدول . حل النزاعات التجارية بين الأعضاء . تشجيع التفاوض التجاري بين الدول . تقديم الدعم الفني للدول النامية . و مراقبة السياسات التجارية للأعضاء و التأكد من مدى التزامهم بالقوانين و المعايير .

و إليك موقف السودان المدهش من المنظمة لترى ( العجب ) يا رعاك الله فتتعجب . أولاً لم تكتمل عضوية السودان بمنظمة التجارة العالمية حتى يوم الناس هذا للأسباب التالية : لم يكيف السودان سياساته التجارية و الجمركية مع قواعد منظمة التجارة العالمية . ضعف البنية المؤسسية و تقلبات الظروف الاقتصادية و السياسية بالبلاد . عدم القيام بالإصلاحات القانونية و الإدارية فيما يتصل بالشفافية التجارية , حماية الملكية الفكرية و تحرير قطاعات الطاقة و الاتصالات .

مفردة شفافية طبعاً من المفردات المرعبة و المنبوذة في حياتنا الاقتصادية بشكل عام . فإذا بحثت في البيانات الحكومية , الصحف و الأنترنيت عن صادرات السودان أو حجم الانفاق الحكومي على القطاعات المختلفة أو مساهمة القطاع الصناعي أو الزراعي أو قطاع الخدمات مثلاً في العام 2024 سوف لن تجد أرقاماً دقيقة أو بيانات موثوقة عن الواقع الاقتصادي الوطني . و قد لا تجد أرقاما من الأساس.

ثقافة ( أم غمتي ) هي الثقافة الاقتصادية السائدة عندنا في هذا البلد , و أنت حل بهذا البلد , حتى على مستوى التجار في الأسواق . لا أحد يقدم بيانات حقيقية أو تقارير مالية واقعية عن نشاطه التجاري , الدخل , التكاليف و الأرباح . كل ذلك يعتبر من الأسرار غير القابلة للنشر . تسود هذه الثقافة بيننا لعلتين . الأولى هي الخوف من حسد الحاسدين و منافسة المنافسين . و الثانية الخوف من الحكومة بضرائبها , زكاتها و رسومها متعددة و متقلبة الوجوه . تلك الوجوه التي ظلت تبني جداراً غليظاً من انعدام الثقة بين الطرفين .

و هذا الواقع الغامض لا يبني اقتصاداً متطوراً يتماشى مع روح العصر . واقع متأخر لا يمكن الدولة من الاندماج في الاقتصاد العالمي و لا يحدث تنمية حقيقية تلبي حاجات السكان من توفير حياة كريمة , فرص عمل , خدمات جيدة و مستقبل مشرق للأجيال . فقنوات التلفزيون بل كل وسائل الاعلام العالمية تجدها تفرد مساحات واسعة لاستعراض و تحليل البيانات المالية للشركات و المؤسسات الاقتصادية العامة , الإيرادات الأرباح و الخسائر الفصلية , أسعار الأسهم , مؤشرات الأسواق , اسعار صرف العملات , سوق العمل و التضخم .

و للأسف فإن هذا التخلف و الغموض و غياب الشفافية يؤثر على الصحة الاقتصادية من عدة أوجه , أهمها ضعف تدفق الاستثمارات الأجنبية . فبينما يبلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السودان ( 550 ) مليون دولار فقط لا غير أي نصف مليار دولار , يبلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر ( 47 ) مليار دولار أمريكي . وتبلغ الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المغرب ( 43.8 ) مليار دولار أمريكي فتأمل !!! . و ينعكس أثر الاستثمارات الأجنبية في زيادة حجم الاقتصاد , خلق فرص عمل , رفع مستوى المعيشة و تحسين جودة الحياة بشكل عام .

المغرب عضو مؤسس في منظمة التجارة العالمية . و قد استفاد من عضوية المنظمة في تحرير قطاعات الصناعة و البنوك و النقل و تعزيز العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي و أمريكا و إفريقيا و استفاد من آلية تسوية النزاعات لحماية صادراته و جذب الاستثمارات الأجنبية . و مصر كذلك دولة مؤسسة في المنظمة . و لذلك باتت مصر تشارك بفعالية في المفاوضات التجارية الدولية متعددة الأطراف . و مكنتها عضويتها في المنظمة من حماية قطاع الزراعة و الصناعة المحلية و حماية الصادرات . و استفادت مصر كثيراً من الدعم الفني لمنظمة التجارة العالمية في تدريب الكوادر الحكومية و بناء قدرات الكوادر الوطنية في مجالات التجارة و التصدير و المعايير . و استفادت مصر في تطوير مجالات الصناعات التحويلية , خاصة النسيج , و الصناعات الصغيرة و المتوسطة و الثقيلة .

عموماً , ضعف التفاعل مع المؤسسات الاقتصادية الدولية , غياب قيم الشفافية , تخلف المناخ القانوني و التشريعي و عدم الالتزام بالمعايير خلق واقعاً اقتصادياً وطنياً متأخراً يمكن ترجمته في الأرقام التالية : حجم الاقتصاد المصري ( الناتج المحلي الاجمالي ) 389 مليار دولار أمريكي و حجم الاقتصاد المغربي 154.43 مليار دولار بينما حجم الاقتصاد السوداني يبلغ 50 مليار دولار فقط لاغير . و حجم الصادرات المصرية في العام 2024 كانت 45.3 ميار دولار . و بغلت صادرات المغرب 66.85 مليار دولار أمريكي . بينما بلغت صادرات سوداننا سوداننا أرض الجدود و الأب أقل من 4 دولار فقط لا غير فتأمل !!! . و الجدير بالذكر أن معظم محركات البحث على الانترنيت تفيد بعدم تمكنها من الحصول على بيانات موثوقة و أرقام رسمية عن حجم الاقتصاد السوداني .

من المهم جداً أن نعي و نعرف و نعلم بصدق و شفافية أين نقف من العالم من حولنا و ما موقعنا في قوائم التقدم و التخلف. يجب أن نعرف ذلك بالبيانات و الأرقام . فواقعنا الوطني مأزوم في مختلف النواحي . مؤسساتنا الوطنية باتت تعج بالسياسيين و غير المتخصصين و ينقصها الخبراء و الفنيون و المؤهلون . و ما فتئنا نصر على أن تمشي الأمور بالعضل و ليس العقل . و حاجاتنا تقضى و تمضي بالنية و الجودية و ( أخنق فطس ) . ممارساتنا و أداؤنا العام ينقصهما العلمية , التخصصية , المعايير , الشفافية و التفكير النقدي . و لقد بات التفكير النقدي من أهم أدوات تقدم الشعوب و تطورها . لأن التفكير النقدي يحرر الفرد من أمراض التحيز و التعصب لأشيائه الخاصة . و يدفعه إلى تقيييم أشياءه الذاتية و مقارنتها بما حوله من أشياء الآخرين باستخدام معايير و أدوات محايدة . و الشكوى العادلة من الواقع هي من أهم شروط التقدم . لأن الإنسان لا يمكن أن يتقدم خطوة إلى الأمام من الواقع الذي يعيشه ما لم يشعر بالألم أو السوء من ذلك الواقع . فالذي يرضيه واقعه و يتصالح معه لا تتوفر لديه الرغبة أو الدافع لتغيير ذلك الواقع و الانتقال منه إلى واقع أفضل .

زر الذهاب إلى الأعلى