عبدالله علي إبراهيم : نحو إستراتيجية عربية لعرب الحافة الأفريقية
✍️بروف ؛ عبد الله علي إبراهيم
Abdullahi Ibrahim
لم تتعافَ سمعة العرب في أفريقيا بعد من فظائع “الدعم السريع” عام 2004 ضد “الزرقة” داخل دارفور
ستخيّم مقاتل “الدعم السريع” للزرقة في الفاشر و الجنينة في أول الحرب ، كسحابة شؤم على العرب ؛
ملخّص ؛
(تحتاج الإستراتيجية العربية المنتظرة أن تراجع ما سبق لها أن تواضعت عليه من تعيين السودان رسولاً إلى أفريقيا ، فإذا به يتعثر في الوظيفة من يوم لآخر تعثراً فقد به ثلث أرضه و شعبه الأفريقيين المؤكدين بإستقلال جنوب السودان خلال عام 2011، و رأيناه مباءة إبادة جماعية لأفارقة على يد عربه ، خلال عام 2004 وفي يوم المسلمين هذا. و ربما كان الخطأ في الوظيفة التي وضعت على عاتق السودان لا عليه)
تنادت دوائر عربية للتضامن مع شعب السودان في أثر الإبادة الجماعية داخل الفاشر التي وصفت بها مَقاتل “الدعم السريع” في المدينة ؛
فصدر التضامن صريحاً من دوائر سياسية و مهنية و من أقلام كتاب إلى مدرجات دور الرياضة ..
فالمؤتمر العام للأحزاب العربية بقيادة منصف المرزوقي وصف هذه المَقاتل بأنها “تطهير عرقي” و”إبادة جماعية” و طالب بدمغ “الدعم السريع” كمنظمة إرهابية.
و عبّر أعضاء في إتحاد المحامين العرب عن استنكارهم لتلك المقاتل و شقّ نداء جماهير الرياضة في نادي الأهلي المصري و الترجي التونسي و نادي الجيش الملكي و البيضاوي المغربيين، أن “التفتوا للسودان و أغيثوا شعبه” ..
و”كل العيون على السودان، الكل خائف و جبان” ..
و حتى شباب داخل غزة و عدن جهروا بالتضامن !!
و على نبل ذلك الخروج نصرة لضحايا الفاشر إلا أنه مما ينطبق عليه قولنا :
“ما مشحودين” (مشحوذون) أي إنهم أهل دار فيه ..
فلم تُخفِ قوات “الدعم السريع” صدورها عن عرقية العروبة منذ أنشأتها “حكومة الإنقاذ” في صورة الجنجويد ثم حرس الحدود وغيرها خلال عام 2004 لقمع الحركات المسلحة في دارفور التي انتسبت إلى “الزرقة”، أي الأفارقة و مصطلحهم في هذه الحرب كعرب، مُشين يدور حول “عبد” و “أسود” في صوره المختلفة ؛
و هو مصطلح التهوين من الآخر تهويناً يجعله آيلاً للشطب من الدنيا كمجرد هوام!!
و هذا هو “الجنوسايد” تعريفاً :
و هو أن تقتل الآخر لمجرد أنه وُجِد على هذه البسيطة ..
فجاء ضمن فيديو لمقاتل من “الدعم السريع” قوله “ديني و إيماني تاني زول أزرق في السودان ما يقعد نهائي” !!
و هو ما استلهمه من قول عبدالرحيم دقلو القائد الثاني لقوات “الدعم السريع”، في الفاشر، ثلاثاً بعد احتلالها إنه لا يريد من هذه الحرب أسيراً قط و قد كان!
و لم يـتأخر مناصرو “الدعم” في العالم العربي من تزكيتهم على هويتهم العربية ، فاستبشر معلق من قناة “سما” بإحتلال “الدعم السريع” للفاشر بقوله إن القبائل العربية حسمت المواجهة في تلك المدينة التي استعانت فيها “الزرقة” بقبائل أفريقية ما أجدتهم شيئاً ..
لم تتعاف سمعة العرب في أفريقيا بعد من فظائع نفس “الدعم السريع” خلال عام 2004 ضد “الزرقة” في دارفور بإرشاد “نظام الإنقاذ”؛
و هي الفظائع التي وصفتها الأمم المتحدة بجريمة ضد الإنسانية، فيما قالت أميركا على لسان وزير خارجيتها آنذاك كولن باول إنها “إبادة جماعية”..
وسادت عن تلك الواقعة السردية التي أذاعتها منظمة “أنقذوا دارفور” في أميركا و سائر العالم من أن النزاع في دارفور كان بين عربها و حكومتهم، و أفارقتها.
و على حسن نية و صدق من لبوا نداء منظمة “أنقذوا دارفور”، إلا أن السردية لم تخل من دس لوبيات أميركية مسيحية و صهيونية، تمثلت الأخيرة في متحف الهولوكوست بواشنطن، أرادت النَّيل من العرب و إسلامهم ؛
و هذا ما حدا بالأكاديمي محمود ممداني للقول إن “أنقذوا دارفور” شيطنت العرب في كتابه المرموق “منقذون و منقذون”..
ستُخيّم مقاتل “الدعم السريع” للزرقة في الفاشر و الجنينة في أول الحرب، كسحابة شؤم على العرب و هم في حال عامة لا تسر صليحاً ؛
و مع ذلك يصح على المواجهة الحالية ما صح على سابقتها في رأي أفضل دارسي سياسات الأعراق داخل دارفور من أن سردية “عرب ضد زرقة” قصرت الصراع على الهوية، حتى قالت الأكاديمية جولي فلنت :
إن “أنقذوا دارفور” نظرت إلى دارفور في سرديتها كمكان بلا تاريخ!!
و الموضوع في غاية التعقيد مع ذلك ، إلا أنهم حولوه إلى منصة لعرض علو خلق من تضامنوا مع دارفور و متانته ..
و قال ممداني إن نفس السردية خلدت استقطاب عرب و زرقة و لم تسفر عن بلوغ أي حل من أي نوع دون أن تدخل الأمم المتحدة بالفصل السابع و حدث ذلك خلال عام 2007.
ما بوسع العرب عمله لدارفور و السودان إلى جانب التضامن الذي بدأت بشائره و يحمل إمكانية أن يضع أموراً كثيرة في نصابها ؟
و من ذلك تحييد دولة الإمارات التي اصطفت مع “الدعم السريع” و يحدث للمرة الأولى مثل هذا الإصطفاف مع طرف غير الدولة السودانية ، من أي مركز عربي خلال صراعات السودان الطويلة..
و لكن لا يغني هذا كله عن التواضع على استراتيجية عربية لا للعرب في السودان فحسب ، بل لسائر عرب الساحل الأفريقي الذين تداخلوا مع “الدعم السريع” تداخلاً مستنكراً عبّر عنه وصف بعض لهم بـ”عرب الشتات” و هي نبذة على خليقة الإرتزاق لا اصطلاحاً، و غطت على السياسات التي ألجأتهم إلى ما ألجأتهم إليه ..
و من لزوم هذه الإستراتيجية أن نسمي هؤلاء العرب بإسم يُعين على فهم إشكالهم حيث هم ؛ و اقترح أحدهم أن نسميهم بـ”عرب الحافة”؛
و أراد به العرب الذين حملتهم هجراتهم التاريخية إلى خط التماس مع شعوب أفريقية مختلفة بعرض القارة من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي و هو الخط الذي تواضعنا على قسمة أفريقيا عنده إلى أفريقيا شمال الصحراء و أفريقيا جنوب الصحراء ..
و قوله “بعرب الحافة” جاء في وجهة استشعار الخطر على وجودهم القومي في تلك البقاع، بغض النظر إن كانوا هم من جنوا على أنفسهم، أو غيرهم جنوا عليهم..
و هذا الإستشعار من نذر النكبة التي قد تأخذهم كالصيحة إن لم يحسنوا إلى أنفسهم أو إلى غيرهم؛ فأول ضحايا هذا الجرف كان عرب زنجبار عام 1964 الذين تعرضوا لـ”جنوسايد” (إبادة جماعية) لم يتفق للعالم الإقرار بها بعد !
بينما اكتنف عرب السودان و تشاد و أفريقيا الوسطى و مالي و نيجريا و تشاد و الجاليات اللبنانية غرب أفريقيا متاعب كثيرة مختلفة ضمن سياقات سياسات محلية و كوكبية كتأسيس الدولة القومية – الوطنية بعد الاستعمار، و الذاكرة التاريخية، و الحرب الباردة، و الصراع العربي – الإسرائيلي، و الحرب على الإرهاب، و علاقات الجنوب بالشمال، و العولمة..
و رمت بكلكلها عرب الحافة في أتون وجودي و سياسي عصيب
الأصل في مشكلة هؤلاء العرب ليس حقيقة أنهم عرب، بل حقيقة أنهم “بادية” مثل غيرهم كالفولاني و الطوارق ؛
فسكنوا بيئة جافة أحسنوا إليها بمكر الرعي الذي يستثمر بالترحل ما تجود به في أنحائها بتقتير موسماً بعد موسم ثم ضربها جفاف الساحل المشهور منذ السبعينيات فزلزل قواعد إنتاجها التقليدي، أو ألغاه و ليست هذه آخر ضروب شقائها..
فلما احتاجت للدولة التي لم تشتغل بهم من قبل، و لا اشتغلت بهم الدولة إلا كيداً كما سنرى، لم تحسن لهم بالتنمية..
خلافاً لهذا عرضت عليهم) استئجارهم لحرب التمرد عليها كما (فعلت “الإنقاذ” بالبادية في دارفور و هذا هو الأصل في نشأة الجنجويد “صعاليك عرب” من فرط الفاقة الذين هم أصل “الدعم السريع”..
اقتصرت محاولة فهم محنة بادية الساحل، بما في ذلك عربها، على تصويرهم كضحايا للطبيعة و ظرف مكانهم الذي أمحل و هذا ما خرجت لنقضه مقالة علمية قسيمة بعنوان “الإقتصاد الأخلاقي للبادية: نحو فهم لثورة الجهادية في مالي” بقلم؛ تور بنجامينسنب و بكر با
(الجغرافيا السياسية 2024) فقال : إن البادية في حقيقة الأمر ضحية الحكومة الحديثة قبل أن تكون ضحية الطبيعة فلم تر مثل هذه الحكومة في محنة البادية ما رآه أهلها لأنها انطوت على حزازة حيال حياة البداة أنفسهم و تجد هذه الحزازة في إطلاق الدولة إسم “مالي التي بلا جدوى” على شمال جمهورية مالي التي تسكنها البادية..
فحياة الترحال لا تتفق مع أداء الدولة الحديثة لأسباب أهمها أنهم، بإقتصادهم البدائي، لا يستنفدون إمكانات الأرض التي يحتلونها و التي لو وظفت في مثل الزراعة الآلية لتضاعف إنتاجها..
و اتفق لهذه الحكومات جميعاً أن لا صلاح في البادية إلا بإستقرار أهلها و استبدال أهلها حياة غير حياتهم..
و ترتبت على هذه السياسة أن استباحت الحكومات مراعي البادية للمستثمرين ؛
فمتى سمعت من البادية عبارة “المسارات” في مقام الشكوى عنوا أن أرضاً لهم اقتطعت لمشروع زراعي حديث إعتدى على مساراتهم التقليدية ، فلا كفلت الحكومات للبادية استقراراً بتنمية هيأت لها حياة بديلة ، و لا تركتها تأكل من خشاش مراعيها القديمة..
فانتقدت مقالة بنجامينسنب و بكر با على هذا التوصيف لأنه اكتفى بالماركة الدينية للثورات بمعزل عن السياسات المحلية التي اكتنفت جور الطبيعة على البداة و استثارت عندهم حساً بالعدل راكزاً في دينهم فقالت المقالة :
إن الحركات الموصوفة بالإرهابية تجذرت إلى حد كبير في التهديد الذي واجه نمط الحياة الرعوية و قواعد معاش أهلها و ختمت بالقول إن “المظالم لا العقائد المتطرفة هي التي من وراء حركات الجهاد في مالي” و غير مالي ..
تحتاج الإستراتيجية العربية المنتظرة أن تراجع ما سبق لها أن تواضعت عليه من تعيين السودان رسولاً إلى أفريقيا فإذا به يتعثر في الوظيفة من يوم لآخر تعثراً فقد به ثلث أرضه و شعبه الأفريقيين المؤكدين بإستقلال جنوب السودان خلال عام 2011. و رأيناه مباءة إبادة جماعية لأفارقة على يد عربه عام 2004 و في يوم المسلمين هذا..
و ربما كان الخطأ في الوظيفة التي وضعت على عاتق السودان لا عليه فقد أرادت المراكز العربية و الإسلامية الجامعة منه أن يكون “ثغراً” للعربية و الإسلام عند مداخل أفريقيا ؛
فتجده استضاف لتلك المهمة خلال السبعينيات مراكز إسلامية و عربية جعلت لنشر ثقافتهما في أفريقيا و صار من الصعب على كثير من السودانيين ممن تشربوا وظيفة الدعوة القومية العربية و الإسلامية أن يوازنوا بين مهمتهم كرجال دولة مسؤولين عن جماعات وطنية متباينة الثقافات و بين مهمتهم كدعاة دعوة مخصوصة..
فبينما كان واجبهم أن ينهضوا رعاة في وطنهم صاروا دعاة وكالة عن تلك المراكز و لا أحسنوا في هذي و لا تلك كما رأينا من الحصاد النكد للعلاقات العرقية في السودان..
و لا أعرف من حالفه السداد في نقد عقلية الوكالة عن العرب في السودان مثل الزعيم الجنوبي جون قرنق فاستنكر يوماً أن يهرع ساسة السودان إلى محافل العرب يقولون إن العروبة و الإسلام في خطر كلما تقاتل معهم و زاد بأنه لا يمانع لو قالوا “السودان في خطر” فما العروبة و الإسلام إلا بعض مفردات السودان القيّمة ؛






