آراء ومقالات

خالد سعد يكتب : صعود الجمهور الرقمي في مواجهة الصحافة المنحازة

في خضم الفوضى الإدارية والحرب التي تمزق السودان، يبرز مشهد لافت للانتباه، وهو انخراط محموم لبعض وسائل الإعلام في الدفاع عن الساسة المعارضين للحرب، أو في معارك الترشيحات الوزارية، حيث تتحول هذه المنصات إلى ساحات لتزكية شخصيات بعينها، متناسية دورها الأساسي في تمثيل صوت المجتمعات ونقل الحقائق في هذا الظرف العصيب.

هذا التوجه يثير تساؤلات جوهرية حول مدى استيعاب هذه المؤسسات للتغيرات الجذرية التي طرأت على المشهد الإعلامي العالمي، وخاصة صعود قوة الجمهور الرقمي.

لقد حذر مارتن غوري مبكرا في كتابه “ثورة الجمهور ومستقبل السلطة” من أفول نجم الإعلام التقليدي، مؤكدا على القوة المتنامية للجمهور المتصل بالإنترنت وتزايد حالة عدم الثقة في النخب.

لقد ذهب غوري في تحليله أبعد من مجرد الإشارة إلى صعود الإنترنت.

في “ثورة الجمهور ومستقبل السلطة”، فكك غوري بعمق آليات هذا التحول الجذري، لم ير في الإنترنت مجرد أداة جديدة للتواصل، بل قوة محركة لإعادة توزيع السلطة، لقد لاحظ كيف أتاحت هذه التقنية للجماهير تجاوز وسائط الإعلام التي كانت تعمل كحراس بوابة للمعلومات وصناع للرأي العام، وأشار إلى أن هذا التمكين الرقمي أدى إلى تآكل سلطة النخب – السياسية والاقتصادية والإعلامية – التي اعتادت على احتكار المعرفة وتوجيه الخطاب العام.

بالإضافة إلى ذلك، سلط غوري الضوء على حالة “الاحتقار” المتزايدة التي يكنها الجمهور لهذه النخب، ويرجع ذلك، في جزء كبير منه، إلى شعور الجماهير بأن هذه النخب لم تعد تمثل مصالحها بصدق، بل تسعى في الغالب لتحقيق مكاسبها الخاصة.

في هذا السياق، يصبح الإنترنت ساحة للتعبير عن هذا الاستياء وتحدي الروايات الرسمية التي تروجها النخب عبر وسائل الإعلام.

الأكثر من ذلك، رأى غوري أن هذا التحول ليس مجرد تغيير سطحي، بل يمتد ليشمل تفكيكا محتملا للنظام القائم (ادوات ثورة ديسمبر)، فعندما يصبح الجمهور قادرا على الوصول إلى المعلومات بشكل مباشر، وتكوين آرائه الخاصة، والتنظيم والتعبير عن مطالبه دون الحاجة إلى وسيط إعلامي تقليدي، فإن أسس السلطة التقليدية تهتز بعمق.

هذا التصاعد في قوة الجمهور الرقمي، مصحوبا بتراجع الثقة في النخب، يمثل قوة تفكيكية تهدد ببنية الأنظمة القائمة، وهو ما يستدعي فهما عميقا لتداعياته، خاصة في سياق دولة مثل السودان تشهد بالفعل هشاشة في مؤسساتها ونخبها.

هذا التحول المتسارع يهدد بتقويض الأنظمة التقليدية ويؤدي إلى تفكك بنيتها.

وفي سياق دولة مثل السودان، حيث تعاني النخب من ضعف بنيوي وفقدان للشرعية في كثير من الأحيان، يصبح صعود الجمهور في الفضاء الرقمي أمرا مؤثرا.

من المهم هنا الإشارة لملاحظة في السنوات الأخيرة، تتمثل في تأثر الصحافة السودانية الواضح بالنخب السياسية والاقتصادية، وهو ما يتعارض مع الدور المفترض له، لكن هذا الوضع لم يستمر طويلا، فالانتشار المتزايد للإنترنت يساهم يوما بعد يوم في تفكيك هذه التبعية، وإعادة السلطة تدريجيا إلى الجمهور.

قد لا يمثل هذا التحول تهديدا حقيقيا لما يمكن تسميته بـ ” الرأسمالية الأم”، التي تحتكر مفاتيح التطور التكنولوجي، لكنه يمثل خطرا أساسيا للطفيلية (المحلية) التي تتهافت على فتات هذه التكنولوجيا.

في نهاية المطاف، يجد الجمهور العام نفسه مستفيدا بشكل أكبر من هذا التطور الرقمي، متجاوزا في كثير من الأحيان فوائد النخب بما فيها (الطفيلية الإعلامية).

إن الصحافة السودانية اليوم أمام اختبار حقيقي، فهل ستتمكن من التكيف مع هذا الواقع الجديد، والاعتراف بسلطة الجمهور الرقمي، والانحياز إلى الحقيقة ومصلحة الجمهور العام، أم تستمر في التشبث بنموذج تقليدي عفا عليه الزمن، ليصبح في نهاية المطاف مجرد صدى باهت في خضم ثورة المعلومات؟

زر الذهاب إلى الأعلى