نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى يكتب : أحمد الصادق .. الهدر الٱنسانى!!

لابد أن أستعيد هذه الحادثة .. فهى مهمة جدا لأنها تحتشد بالرسائل المفعمة بالأحترام للذات وللآخر .. ففى العام 2008 أجريت والأخ الحبيب طلال مدثر حوارا مع الفنان الأسطوري والعبقري عثمان حسين بمنزله بالسجانة .. وكان برفقتنا الأخ المصور علم الهدي حامد (عليه الرحمة) .. وبعد أن انتهينا من الحوار التوثيقي رفض عثمان حسين التصوير وطلب أن يكون التصوير فى اليوم التالى .. وحينما عاودنا الزيارة بغرض التصوير وجدناها يعتلى أعلى قمم الٱناقة .. ورغم تقدم العمر البائن .. ولكنه كان أنيقا ومشرقا وفى حالة من الإنسجام والتناغم اللونى فى مظهره .. ولم يشأ عثمان حسين تصويره وهو بملابس البيت .. وذات عثمان حسين توقف عن الغناء حينما أستشعر باكرا أن صوته لم يعد على ما يرام وأن حباله الصوتية لم تعد بذات الكفاءة والمرونة .. لذلك توقف عن الغناء حتى لا يطمس تاريخه الفنى العريض ومكانته فى وجدان الشعب السودانى الذي يكن له محبة خاصة كواحد من الأساطير غير قابلة للإستنساخ والتكرار ..
ما استدعانى لإستدعاء حادثة الفنان العظيم عثمان حسين هو الحالة الراهنة للفنان أحمد الصادق .. وهو يعتبر حاليا واحدًا من أهم الأصوات التي صنعت تحولًا كبيرًا في الأغنية السودانية الحديثة. اشتهر بلقب “فنان الجيل” لما يمتلكه من جماهيرية عريضة وسط الشباب، وقدرته على تقديم أعمال تجمع بين الطابع الطربي الأصيل واللون الحديث.. ظهر في زمن كانت الساحة بحاجة لوجوه جديدة تُعيد الحيوية للأغنية السودانية، فشكّل وجوده إضافة مهمة..فهو صاحب خامة صوته ندية ولديه إحساس عالي وقدرة فائقة فى اختياراته الشعرية واللحنية ..
وتقديري الخاص أن الوضعية الحالية للفنان أحمد الصادق تعتبر نمذجة حقيقية لنظرية الهدر الٱنسانى .. فنان كان ملء السمع والبصر ومحاط بقاعدة جماهيرية عريضة تصل محبتها إلى درجة الوله والهيام فى موقف أقرب لجمهور الراحل محمود عبدالعزيز ولكن أحمد الصادق لم يستثمر الأرضية للٱنطلاق بتجربته للأمام وتجويدها وتطويرها حتى تصبح من التجارب الغنائية الخالدة ذات التأثير والإلهام للأجيال الجديدة .. ودون أن نزيف الحقائق ونكتب كلمات الطبطبة والمجاملة لابد أن نشير وبوضوح على أن الوضع الصوتي الراهن ليست على ما يرام .. فهو افتقد مؤخرا الصوت الغنائي الجميل والموزون هو جوهر الجاذبية الفنية، وسر الاحتراف الحقيقي. وصراحة لم يعد أحمد الصادق هو الصوت الذي يحقق المعادلة الصعبة من حيث جمال الخامة و ذكاء الأداء، وصدق.. التعبير… وما يجب أن يقال ختاما أن كلُّ فنان يحسن صياغة هذه المعادلة، يحجز مكانه الطبيعي في القمة.. وأحمد الصادق بدأ يفقد تلك الصياغة.
(سراج الدين مصطفى)











