جعفر عباس يكتب : لهذا أحسست بالذنب
سأحكي لكم اليوم بعض أمورٍ من تجربتي الشخصية، على أمل أن تقرع بعض الأجراس للآخرين.
كانت محطتي الأولى مغتربًا مترجمًا في شركة أرامكو النفطية في الظهران – السعودية. وبعد انتهاء ساعات العمل في الشركة، كنت أتناول وجبة غداء سريعة، ثم أنطلق إلى الدمام لأعمل في ترجمة التقارير والأخبار من مصادر بالإنجليزية لجريدة اليوم.
وفي الإمارات التحقت بأسرة جريدة إمارات نيوز الإنجليزية التابعة لمؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر، وكنت في وقتي الخاص أعمل في الترجمة لحساب شركةٍ للعلاقات العامة في أبوظبي. ثم فزتُ بعقدٍ لتعريب مؤسسة الاتصالات في الإمارات، وكنت أعود من عملي الصحفي لأجلس إلى طاولة السفرة الممتلئة بالقواميس وأترجم حتى موعد النوم.
وذات مساءٍ، انتبهت إلى ابنتي عبير – وكان عمرها وقتها نحو أربع سنوات – وقد نامت ورأسها على الكرسي المجاور لي وساقاها على الأرض. بكيتُ، لأن عبير كانت وقتها بكماء لا تتكلم، وأدركتُ أنها لا بد أن حاولت لفت انتباهي وأرادت مني أن أُداعبها، لكنني كنت غافلًا عنها. رميتُ كل ما بيدي، وفي اليوم التالي قدّمتُ طلب إجازة، وانطلقتُ بالأسرة إلى السودان، حيث عرضتها على الدكتور محمد بشارة، المتخصص في أمراض الصمم والبكم والأنف والأذن والحنجرة. وبعد أسبوعين من العلاج، كانت عبير تُغنّي وتُخرج ما في ذاكرتها من كلمات.
بعدها “توبة” من أي عملٍ إضافي. كنتُ مضطرًا للعمل الإضافي لأن راتبي المنتظم كان ضعيفًا، والتزاماتي المالية كبيرة، ولكن حتى بعد أن أقلعتُ عن العمل في وقتي الخاص، كانت ساعات العمل في جريدة الاتحاد التي انتقلتُ إليها تحرمني من الوجود المنتظم في حياة عيالي؛ أحيانًا أعود إلى البيت في الرابعة فجرًا، وعندما يستيقظ الأولاد لمدارسهم أكون نائمًا، وأصحو لتناول الغداء معهم، ثم أنطلق إلى الجريدة في الرابعة عصرًا.
فاعتزمت تطليق الصحافة الورقية بالثلاثة، وشاء الله أن ألتحق بمؤسسة الاتصالات القطرية رئيسًا لقسم الترجمة، ثم للعلاقات العامة. ولكن “رجعت ريمة إلى عادتها القديمة” — أي العمل الإضافي — وإن كان على خفيف؛ فعملتُ رقيبًا على المصنفات الإنجليزية في تلفزيون قطر، وكان عملًا ممتعًا وساعاته قصيرة. وامتنعتُ تمامًا عن ممارسة الترجمة في وقتي الخاص.
باختصار، ظللت لسنواتٍ طوال أعمل لساعاتٍ طويلة هنا وهناك، ونجحت في تحقيق بعض أحلام العائلة. ولكن، رغم أنني كنت شديد الحرص على تمضية ساعات الفراغ القليلة مع أفراد عائلتي الصغيرة، فإن شعورًا قويًا بالذنب والتقصير لازمني سنين عددًا. ومنذ ذلك الحين كرّستُ كل ثانيةٍ من وقت فراغي لهم.
ويا أيها الآباء، أعلم أن بعضكم قد يعاني من ظروفٍ شديدة القسوة والعَنَت، تتطلب أحيانًا الجمع بين عدة وظائف، ولكن أرجو أن “تباصروا” أموركم بحيث تكون ساعات الفراغ القصيرة مخصصةً للعيال وأمهم. فـ”عيبٌ” كبير أن يغيب الأب عن حياة أولاده لأنه يفضّل قضاء معظم أوقات الفراغ مع الشلة.






