سلايدرمنوعات وفنون

ثنائية العبادي وسرور.. لقاء القدر الذي غيّر مجرى الغناء السوداني

شبكة الخبر ـ منوعات

إبراهيم العبادي، أصغر شعراء منتدى الدوبيت، كان يحمل في أحشائه فكرة جديدة للشعر، غير الدوبيت، رغم قبوله في مجلس الكبار، جماعة يوسف حسب الله (سلطان العاشقين)، ومحمد عثمان بدري، وأبو عثمان جقود، وأحمد محمد صالح المطبعجي.

لكن العبادي كان شاعراً هائماً مثل محمد ود الرضي، يبحث عن الجمال في سماوات لا يغطيها الدوبيت ولا الكرير الذي يؤديه الطنبارة، حتى وجد ضالته في المطرب محمد أحمد سرور. ومن هناك، أسسا معاً مدرسة فنية جديدة على أنقاض الطنبرة والدوبيت، هي ما يُعرف اليوم بـ أغاني الحقيبة، والتي تعتبر الأغنية الوترية الحديثة امتداداً طبيعياً لها.

الاثنان لهما الباع الأكبر في حركة الغناء السوداني، ولولا ارتباطهما ببعضهما البعض لكان حال الغناء في بداياته التي شهدتها مطالع الثلاثينيات مختلفاً تماماً.

الفارق بينهما سبع سنوات فقط؛ فالعبادي وُلد في عام 1894م، بينما وُلد سرور في 1901م.

لقاء المصادفة الذي صنع التاريخ

ومن مصادفات القدر أن يلتقي العبادي بشاب مفتول العضلات وهو يترنم بأهازيج الرعاة وهو يقود أغنامه في الشارع العام. أعجب العبادي بصوته أيما إعجاب، فكان ذلك الإعجاب المدخل لعلاقة فنية وإنسانية استمرت خمسةً وعشرين عاماً، كانت كفيلة بأن تجعل فن الحقيبة يبلغ ذروة انتشاره، ويصبح جزءاً من متلازمات الوجدان السوداني في العقود الأولى من القرن الماضي، وواحدة من إبداعات الذات السودانية في الابتكار الفني والاجتماعي.

بدأ العبادي يهتم بذلك الشاب الذي لم يكن سوى محمد أحمد سرور، فخصه بقصائد خالدة أصبحت فخراً للغناء السوداني في مرحلة الحقيبة. ومن تلك الروائع ما لحّنه سرور بنفسه، في مشهد يؤكد عبقريته كأعظم الملحنين في تاريخ السودان، مثل رائعته الشهيرة:

ببكي وبنوح وأنا دمعي جاري

مكتول هالكني جاري

صدرك رمي البداري

وأعلن منشور إداري

وصرّح طالب وداري

وفال فاك وحبّه خداري

أكتل وفي الرشم أداري

وعلى الشلاخ مداري

يا الساكن غرب داري

كاتلني وماك داري

تناغم العبادي وسرور.. الكلمة تذوب في اللحن

تجلت ثنائية العبادي وسرور في تناغمٍ استثنائي بين الكلمة واللحن، فاختيار العبادي لكلماته لم يكن عفوياً، بل مقصوداً ليمنح صوت سرور مساحة للتوهج والتطريب.

ويظهر ذلك بوضوح في أغنية “يا سائق الفيات”:

يا سائق الفيات عرج بي وأخد سندة

بالدرب التحت تجاه ربوع هندة

أوصيك قبل تبدأ سيرك داك طريقك سابق الربدة

منك بعيدة جبدة

حي هندة المراد عوج بي ربوع عبدة

أطوي الأرض واضرع من أفكارنا سيرك يا الفيات أسرع

وبين الاثنين رحلات وأسفار وذكريات صنعت فناً شعرياً ولحنياً وأدائياً لم يُوجد له مثيل في تاريخنا الحديث.

العبادي.. شاعر قومي ومثقف موسوعي

لم يكن إبراهيم العبادي كاتب أشعار غنائية فحسب، بل كان شاعراً قومياً واجتماعياً، له من الإخوانيات الشعرية ما انتشر في الأوساط الأدبية السودانية.

كان العبادي مفخرة للأدب الشعبي، ومن القلائل الذين تسلحوا بسلاح المعرفة والاطلاع، عالماً بالشعر الجاهلي، حافظاً للمعلقات، قارئاً لأبي الفرج الأصفهاني، والبارودي، وحافظ إبراهيم. وله في الشعر السياسي والمدائح ما لا يُحصى.

وفي عام 1926م، شارك العبادي في النهضة المسرحية بروايته الشهيرة «المك نمر»، التي وجدت رواجاً واسعاً، إذ تناولت حقبة مهمة من تاريخ السودان الحديث، وجسدت روح المقاومة والكرامة الوطنية.

سرور.. الصوت الذي دشّن عصر الإذاعة

أما محمد أحمد سرور، فقد كان ذا قدرات صوتية استثنائية أهلته لتجاوز الغناء إلى فنون الصوت الأخرى، كالمديح ورميات الغناء، التي كانت في معظمها من أشعار العبادي.

وقد توثقت العلاقة بين الرجلين حتى صار سرور لا يغني في بداياته إلا للعبادي، باستثناء بعض ما تجود به قريحة صديقه الشاعر محمد ود الرضي.

كان سرور أول من تغنى في الإذاعة السودانية عام 1940م، بأغنية المتطوعات، التي تحدث فيها عن الفتاة السودانية التي تطوعت لمعالجة جرحى الحرب.

وهو كذلك أول من غنّى بآلة موسيقية عند افتتاح الإذاعة السودانية في ذات العام، فاتحاً الباب أمام عهد جديد من الحداثة الفنية.

البداية.. ثنائي العام 1919

كانت أول ثنائية فنية في السودان بين الشاعر العبادي والفنان سرور عام 1919م، ومع ظهورهما انتقلت الأغنية السودانية من أغنية الطنبارة إلى الأغنية الحديثة.

ومن أشهر ما قدّمه الثنائي معاً:

ببكي وبنوح وبصيح للشوفتن بتريح

فرع النقا المميح منو المسك بفيح

وكتين صباحنا يبيح بلبل قلوبنا يصيح

وهي الأغنية التي أعاد غناءها لاحقاً اثنان من عمالقة الفن السوداني: إبراهيم الكاشف والكروان بادي محمد الطيب.

إرث خالد للأجيال

رحل العبادي وسرور، لكن إرثهما ما زال يتردد في وجدان السودانيين، فكل لحن من أغاني الحقيبة يحمل بصمتهما، وكل نغمة وترية تذكرنا بأن الفن يمكن أن يكون جسراً بين الكلمة والوجدان، وبين التاريخ والحياة.

لقد شكّل العبادي وسرور ثنائية فريدة نقلت الغناء السوداني من المحلية إلى الأفق الإنساني الرحب، وأسسا مدرسة خالدة ما زالت تتربع على عرش الإبداع حتى اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى