مصعب رشاش يكتب : الحرب و فرصة التغيير الاجتماعي الأخيرة
Rushash72Gmail.com
عند ظهور نتائج الشهادة السودانية قبل شهر تقريباً عادت المدارس الخاصة في الخرطوم إلى طقوسها الاحتفالية التي كانت تمارسها قبل الحرب . سيرة العربات و مكبرات الصوت التي تجوب الأحياء تقصد بيوت الطلاب الناجحين حيث تستقبلها النسوة بالزغاريد و الرجال بالتهليل و التكبير .
كنت أعتقد أن ما أدخلته الحرب فينا من الخوف و الهلع و الدموع و التشرد و الموت و الدمار أمر جلل يستوجب الحداد العميق و الحزن الوطني النبيل . ذلك أقل ما تمليه علينا انسانيتنا من تعاطف و حزن و تضامن و إحساس بالفقد و الضياع و الألم . فالحيوانات فقط هي التي تعود بعد هجمة المفترسات عليها تلهو و ترتع في مرعاها و لا تحس بفقد ما افترسته السباع و الضباع من القطيع الذي تنتمي إليه و فقدان أعضاء من أهلها و عشيرتها .
في آخر عقدين شهدت العاصمة ثلاثة أحداث جسيمة . أولها مقتل جون قرنق في أواخر يوليو 2005 و ما أحدثه من موجات غضب تحولت إلى عنف و فوضى و دمار . و ثانيها هجوم قوات حركة العدل و المساواة على أم درمان في عام 2008 و ما صاحبه من رعب و خوف و زلزلة . و أخيراً الحرب التي نشبت في أبريل 2023 . مر الحدثان الأولان بكل ما حملاه من أهوال و موت و رعب و دمار و سقطا من الذاكرة سريعاً . كنا نعود بعد كل حادثة إلى حياتنا الطبيعية دون أن تختزن الحادثة في ذاكرتنا الجمعية أو تشكل درساً أو نتعلم منها شيئاً ما . لا يحفظها الوجدان الشعبي , لا تنسج منها الذاكرة الجمعية قصصاً تروى للأجيال اللاحقة , لا يوثقها الإعلام و لا تدرج في المناهج الدراسية . و هذا أمرً نادر الحدوث في المجتمعات الإنسانية . فالشعوب تتخذ من أحداثها المؤلمة و أحزانها مناسبات وطنية تفرد لها نصب و تذكارات و أيام تمنح فيها العطلات العامة و تقام فيها الفعاليات الوطنية و الأدبية و الندوات و الأعمال المسرحية . تلك أمور مهمة تعزز الهوية الوطنية و تنعش الذاكرة الجمعية .
ليس ذلك هو كل ما يهم في الأمر و إنما الأكثر أهمية في اعتقادي هو أنه يفترض بنا أن نتخذ من هذه الحرب اللعينة فرصة لإجراء مراجعات عميقة داخل بنيتنا الاجتماعية . مراجعة القيم , التقاليد , المعتقدات و كل البناء الثقافي الذي أنتج هذه الدولة المضطربة غير المستقرة التي لم تحقق تقدماُ ملوحظاً في مضمار التقدم و التحضر . الدولة التي لم تستطع أن تعرف ( ساسها من رأسها ) و لم تضع قدمها حتى الآن في مسار واضح رغم بلوغ عمرها الوطني سن الشيخوخة منذ سنوات ( اكثر من سبعين عام على الاستقلال ) .
الدولة العصرية التي نرى نموذجها في كثير من المجتمعات من حولنا اليوم , تقوم في الأساس على قيم الانضباط , الإلتزام , المسؤولية , سيادة حكم القانون و التضحية . كل شيئ فيها يجري بمقدار و معيار و وفق شروط و نصوص و قواعد و قوانين . فالناس الذين نراهم ينعمون بحياة المدن النظيفة , المرتبة , المخططة , ذات البنيات التحتية الحديثة في المجتمعات المتحضرة اليوم , هم في الواقع يدفعون ثمن تلك الرفاهية انضباطاً و التزاماً و تضحية و مسؤولية .
الوقت عندهم يمثل أهم الموارد الطبيعية و الهبات الربانية . يخصصون الجزء الأوفر منه للإنتاج و التطوير و التعلم و اكتساب المهارات . و ينفقون الموارد في تلك الوجوه كذلك في سبيل النمو و توفير ضمانات العيش اللائق و التخطيط للمستقبل . القسم القليل من الوقت فقط يخصص للمتعة و الترفيه . و حتى المتعة و الترفيه عندهم هي أمور شخصية جداً يمارسها الشخص في نطاقه الخاص و تضبط فيها الموارد بشكل مخطط و دقيق . و ذلك عكس ما نحن عليه حيث يميل الأفراد إلى تحويل لحظات فرحهم الخاص و ترفيههم الشخصي إلى احتفالات عامة صاخبة . يريد الفرد منا دائماً أن يعرف المجتمع من حوله بأنه يستمتع أو أنه في حالة فرح و ترفيه أو أن الله قد أنعم عليه بشيئ صار يميزه عنهم .
تلك هي قيم و تقاليد و سلوكيات المجتمعات العشائرية و القبلية . و هي , في الواقع , لا تبني دولة متحضرة و لا تقدم مجتمع . التقاليد التي تكرس التفاخر , التعالي , الاستعراض , ( الفشر ) و التباهي مثل كرنفالات النجاح و التخريج و ما يصاحبها من تهريج . و المصيبة أننا بدلاً من التخلص من هذه العادات و التقاليد البائسة ظللنا نطورها إلى الأفظع و الأبشع . حتى وصلنا إلى مرحلة الاحتفال بخروج المرأة بعد الولادة في حفل بهيج من الألوان و البهرجة و الموسيقى و التصوير بالفيديو الذي يوثق لحظة خروج الأم و هي تحمل طفلها من غرفتها حتى تركب السيارة .
المناسبات الاجتماعية التي لا تنتهي ظلت تستنزف معظم مواردنا و وقتنا . حتى أنك إذا وقفت في مدخل جسر من جسور الخرطوم و سألت أصحاب السيارات عن وجهاتهم ستجد معظمهم ذاهبون لمناسبات اجتماعية . و هذا يعني أن الوقود الذي تدفع فيه الدولة أعلى الفواتير العامة لاستيرداه يستغل معظمه في أمور لا تمت إلى الإنتاج و التنمية و التطوير بصلة .
و من هنا يبدأ خلل الاقتصاد و ضعف التنمية و تخلف الخدمات العامة . ليس ذلك و حسب و إنما معظم موارد الدولة و مقدراتها من سيارات و امكانيات مالية و أصول ظلت تستغل في معظم الأوقات للمصلحة الخاصة , المجاملات , المناسبات الاجتماعية الخاصة و نحو ذلك . فغالب العربات الحكومية التي تجوب طرقات العاصمة لا تتحرك للأعمال الرسمية فتدعم الانتاج و العمل و أداء الواجب العام في الغالب . و إنما تستغل من أجل تلبية مصالح شخصية . و الوضع في الولايات أفظع .
الأزمة كبيرة و الواقع مرير . و الواقع التنموي المخزي الذي نعيشه هو في الحقيقة مولود شرعي للواقع الاجتماعي , القيم , المفاهيم و البنية الثقافية التي ندين بها . لذلك فالأمور تحتاج إلى تغيير اجتماعي و نقد بناء و مراجعات عميقة .





