آراء ومقالات

حتى الآن – حيدر الفكي يكتب : ظلال سقوط الفاشر على الراهن السياسي

حين سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، ألقت بظلالها الثقيلة على الحراك السياسي الداخلي والإقليمي والدولي، وهو ما انعكس على أدوات الفعل الإعلامي بمختلف مسمياتها، سواء على المستوى الرسمي أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات والمواقع الإخبارية.

لقد حظيت هذه الأزمة الإنسانية باهتمام غير مسبوق، وأصبحت في دائرة الضوء المحلي والدولي، إذ لم يُسلَّط الضوء بهذا المستوى على الأزمة السودانية منذ اندلاع الحرب، خاصة على حصار الفاشر الذي استمر قرابة سنة ونصف، كما يحدث الآن من اهتمام منقطع النظير.

وفي اعتقادي، أن سبب هذا الاهتمام يكمن في عدة عوامل، أهمها خصوصية الفاشر الاستراتيجية من حيث الموقع والجغرافيا، فهي همزة الوصل بين شمال دارفور وشمال السودان. أما العامل الثاني فهو بشاعة الانتهاكات الإنسانية التي وُصفت بالاستثنائية وبكل المقاييس، والتي وثّقتها قوات الدعم السريع أنفسهم توثيقًا محكمًا ودقيقًا، إذ شملت إعدامات ميدانية وتصفيات لمدنيين عُزّل، وقتلًا للأسرى، وتصفية المرضى داخل المستشفيات، واغتصاب النساء، والتمثيل بجثث الموتى. كل ذلك أدى إلى التفات الرأي العام العالمي والتركيز على الشأن السوداني وأزمة الفاشر التي هزّت الضمير الإنساني.

لكل ذلك، أدى سقوط الفاشر إلى تداعيات متسارعة محليًا ودوليًا، وألقى بظلاله على الراهن السياسي، فشهدنا اهتمامًا كبيرًا من المجتمع الدولي لم يحدث بهذا المستوى منذ اندلاع الحرب في البلاد. ويظهر ذلك جليًا من خلال تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس بخصوص الهدنة الإنسانية، إذ أصبح من المؤكد الاتفاق بين الجيش والدعم السريع على مبدأ الهدنة الإنسانية لمدة ثلاثة أشهر، وتبقت التفاصيل، حسب ما ورد في تصريح مستشار الرئيس الأمريكي خلال المؤتمر الصحفي بالسفارة الأمريكية بالقاهرة.

وستتزامن الهدنة الإنسانية مع تحريك الملف السياسي والتفاوض حول إنهاء الحرب والترتيبات لما بعدها، وقد حُدِّدت مدة تسعة أشهر لإنجاز هذا الملف.

وفي سياق متصل، رحّب مجلس الأمن والدفاع السوداني بالجهود المبذولة لتحقيق السلام من بعض الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وخصّها بالشكر على مجهودها المقدر في هذا المجال، لكنه في الوقت نفسه أعلن التعبئة العامة والاستنفار في البلاد.

هذه المواقف المزدوجة في خطاب الجيش والنظام باتت مفهومة من قبل الشارع والمجتمع الدولي، وهي تعكس سياسة التوازن وامتصاص ردود الفعل، لكنها لن تستمر طويلًا.

ومن الواضح أن الجيش موافق ضمنيًا على الهدنة المطروحة من الرباعية، لأنه لا يرغب في خسارة المجتمع الدولي، كما أن وضعه الميداني على الأرض لا يسمح له بالمواجهة الشاملة. ومع ذلك، تواجه الجيش معضلة تتمثل في الكتلة الرافضة للهدنة، سواء من داخل الجيش أو من أنصار معسكر الحرب.

ولذلك نلاحظ أن القوات المسلحة تتعامل بنظرية التمرحل في الموافقة على الهدنة الإنسانية، أي أن تكون على مراحل، بغرض امتصاص غضب معسكر الحرب، وفي الوقت نفسه تهيئة الرأي العام لقبول الهدنة.

همزة وصل:

هي روح مُتعبة بفوضى الجسد، مُنهكة بفكر العقل ووعي السؤال.

زر الذهاب إلى الأعلى