آراء ومقالات

جعفر عباس يكتب : من العشق إلى النفور… ثم المصالحة

تحوّل شغفي بمتابعة مباريات كرة القدم وأنا طالب في المرحلة الثانوية إلى نفورٍ شديدٍ منها في سنواتٍ لاحقة. ودارت وقائع مباريات كأس العالم 2022 على بُعد مسافاتٍ قصيرةٍ من بيتي في الدوحة – قطر، لكنني لم أتابع من مجرياتها إلا “الأهداف” بعد انتهاء المباريات.

ولا يمكن أن أكون على صوابٍ في نفوري من كرة القدم، بينما يعشقها أكثر من أربعة مليارات إنسان. فهي أكثر الأنشطة الإنسانية ممارسةً في العالم (ولا يسبقها إلا مجالا الأكل والشرب)، وهي لعبة ديمقراطية لا كبير فيها ولا صغير. لست بحاجةٍ إلى ترتيباتٍ أو تجهيزاتٍ معينةٍ لممارستها، فيكفي أن تركل كرةً وأنت ترتدي ما تشاء من الملابس.

بينما لا تستطيع أن تمارس ألعابًا مثل التنس أو البيسبول أو الملاكمة أو الغولف أو كرة القدم الأمريكية إلا وأنت تملك العُدّة والزيّ اللازمين. لا يهم أن تكون أسود أو أبيض أو أصفر، غنيًّا أو فقيرًا. تستطيع أن تلعب كرة القدم وعمرك 67 سنة أو سنتان، وقد تصبح نجمًا لامعًا فيها سواء كنت بطول مارادونا أو بطول لاعبٍ يبلغ المترين.

ربما كان الأشخاص الوحيدون المحرومون من ممارستها هم من يزيد وزن أحدهم على المائة “كيلومتر مكعب”! ولا يهم بأيّ دينٍ تدين، فهي ديمقراطية بحق، لأن كل من يملك شيئًا مكورًا أو مستديرًا يستطيع الاستمتاع بها: لفافة بلاستيك، أو جوارب قديمة، أو علبة فارغة تتقاذفها الأرجل في ميدانٍ عشبي أو ساحةٍ ترابية أو أرضٍ مُسفلتة أو حتى داخل غرفة (من وراء ظهر ماما).

ومتابعة معظم الألعاب الرياضية تتطلب ثقافةً واسعة، لأن قوانينها مركّبة ومربكة ومعقدة، بينما قوانين كرة القدم في منتهى البساطة: لا تلمس الكرة بيدك، ولا ترفس لاعبي الفريق الخصم. (بالمناسبة، لا أعرف ماذا يفعل معي حكم المباراة لو – مثلًا – ضربتُ لاعبًا من فريقي: هل يقول “زيتكم في دقيقكم” ويتركني، أم يُشهر في وجهي البطاقة الحمراء ويطردني؟!).

ورغم أنني قررتُ “تطبيع العلاقات” مع كرة القدم، إلا أنني سأظل معارضًا للهوس الكروي الذي يقود إلى التشابك بالأيدي والسلاح. قبل سنواتٍ، تعرّض اللاعب الكولومبي أندريه إسكوبار للاغتيال بعد أن سجّل هدفًا في مرمى فريقه عن طريق الخطأ. وفي فبراير 2012 لقي 76 شخصًا مصرعهم في استاد بورسعيد بمصر عقب مباراةٍ بين ناديي الأهلي والمصري.

على كل حال، إذا رأيت ولدك يكثر من ركل علبة البيبسي الفارغة داخل البيت، فبادر بشراء كرةٍ مطاطية، واسمح له بجعل غرفة الجلوس ملعبًا. وإذا كبر وأهمل دروسه بسبب حبه للكرة، فلا تشتمه أو تضربه، فقد يأتي يومٌ يصير فيه راتبه في شهرٍ واحدٍ أكثر من راتبك في ثلاثين سنة، وتندم على العمر الذي أضعته في الفيزياء والمفعول به وخط الاستواء!

فلاعب البرتغال كريستيانو رونالدو يكسب في شهرٍ واحد ما يكسبه عشرة استشاريين طبيين في مائة سنة… بلا طب، بلا هندسة، بلا بطيخ!

زر الذهاب إلى الأعلى